أزمة المهاجرين العراقيين في ليتوانيا.. القصة الكاملة

تاريخ الإضافة الإثنين 2 آب 2021 - 7:34 ص    عدد الزيارات 373    التعليقات 0    القسم العراق

        



نقلا عن موقع الحرة


خرج محمد مسلم، وهو عراقي من بغداد يبلغ من العمر 24 عاما، قبل أسبوع إلى مطار العاصمة حاملا بيده تذكرة سفر سياحية إلى بيلاروسيا، الوجهة التي أصبحت محببة لدى العراقيين منذ أشهر قليلة.

"اتصل بنا قبل يومين"، يقول والده مسلم العبيدي لموقع "الحرة"، "قال إن لديه وقتا محدودا للاتصال، وإنه في مخيم للاجئين بليتوانيا"؛ الدولة المجاورة لبيلاروسيا، والعضو في الاتحاد الأوروبي.

يشعر العبيدي بالقلق على ابنه، الذي "قد يكون في ورطة"، خاصة وأنه لم يتلق أي اتصالات منه بعد ذلك.

ويضيف لموقع "الحرة": "أشعر بالذنب، كنت أعرف إنه يريد الهجرة، وأقنعني أن الأمر قانوني وأسهل وأكثر ضمانا من عبور البحر عن طريق تركيا".

وفي الحقيقة، يحصل الراغبون بالسفر إلى بيلاروسيا على "فيزا" الدخول بسهولة نسبية، كما أن تذكرة السفر غير المكلفة (700- 1000 دولارا للشخص الواحد)، والرحلات الآمنة بالطائرات، تجعل الهجرة أكثر إغراء لكثير من الشباب العراقيين، مقارنة بطريقة الهجرة المعتادة عبر تركيا والبحر المتوسط إلى اليونان ومن ثم إلى أوروبا، والتي راح ضحيتها كثيرون غرقا.

ومثل محمد مسلم، خرج الشاب محمد موسى، بنفس الطريقة، لكن من دون أن يُعلم أهله بنواياه.

تقول شقيقته "أم علي" لموقع "الحرة" إن "محمد خرج في مجموعة سياحية قبل عيد الأضحى بأسبوع إلى بيلاروسيا".

وتضيف بصوت متهدج إنه "لم يقل إنه ذاهب للهجرة، وإنما قال إنه ذاهب للسياحة، قبل أن يتصل علينا أول أيام عيد الأضحى وقال إنه في معسكر للمهاجرين بليتوانيا، وإن لديه دقيقة واحدة للكلام معنا من الهاتف الذي زوده به موظفو المعسكر".

سلاح المهاجرين

في آخر إحصائية، تقول ليتوانيا إنها تحتجز أكثر من 3 آلاف مهاجر غير شرعي، نسبة كبيرة منهم عراقيون، وأعلنت الثلاثاء، احتجاز أكثر من 170 عراقيا على حدود البلد الصغير التابع للاتحاد الأوروبي.

وربما وجد العراقيون أنفسهم وسط صراع لم يكن كثيرون منهم يتخيلون أنهم سيتأثرون به. إذ يتهم الاتحاد الأوروبي بيلاروسيا باستخدام "سلاح المهاجرين" ردا على العقوبات التي فرضها الاتحاد مؤخرا على هذه البلاد التي يترأسها، أليكسندر لوكاشينكو، المتهم بقمع المتظاهرين ضد نظامه بشدة.

الأزمة التي أدت إلى أن يطلب وزير خارجية الاتحاد الأوروبي، جوزيب يوريل من العراق "تبرير" ارتفاع عدد الرحلات إلى بيلاروسيا من مطار بغداد، والتي بدأت بالاتساع مع ارتفاع أرقام المهاجرين الذين يعبرون الحدود يوميا ليسلموا أنفسهم للسلطات الليتوانية.

طريق "الهجرة"

الخميس، قال المتحدث باسم وزير خارجية الاتحاد الأوروبي، أدالبرت يانز، إن غالبية المهاجرين الذين جرت مرافقتهم إلى ليتوانيا، هم مواطنون عراقيون.

وأضاف يانز أن هؤلاء لن يمنحوا حق اللجوء.

وطلب وزير خارجية الاتحاد، جوزيب يوريل، من العراق "تبرير" سبب استخدام مطار بغداد لنقل مهاجرين إلى دولة بيلاروسيا، حيث "ينتقلون بشكل غير قانوني إلى ليتوانيا".

 

ويبدو أن بغداد استاءت من طلب الوزير، إذا أصدرت مستشارية الأمن الوطني العراقي بيانا قالت فيه إنه "كان على المفوض الأوروبي الاستعانة ببعثة الاتحاد الأوروبي في بغداد ليحصل من خلالها على أي إيضاحات مطلوبة من الحكومة العراقية، على ألا تشكل اتهاما مباشرا أو غير مباشر بالمشاركة في أية أعمال غير قانونية".

وأضاف البيان المنشور في وكالة الأنباء العراقية الرسمية أن "العراق لا يشجع مواطنيه على الهجرة، ولكن بعض السياح العراقيين يتم التغرير بهم من قبل عصابات الهجرة غير الشرعية".

وأكد الأمن الوطني العراقي أن "مطار بغداد الدولي مخصص للسفر الشرعي فقط (...) وأن وجود فئة قليلة من العراقيين الذين يتم التغرير بهم، لا يمكن أن يكونوا سببا في منع جميع العراقيين من السفر الى روسيا البيضاء، لأن هذا سيكون قرارا غير قانوني ولا ينسجم مع الدستور العراقي والميثاق العالمي لحقوق الانسان".

ويقول، أحمد الربيعي، وهو صاحب شركة سفريات إن بيان الأمن الوطني العراقي صحيح نظريا.

ويضيف أحمد لموقع "الحرة" إن "سمة الدخول إلى بيلاروسيا تمنح عادة خلال يومين من طلبها"، مضيفا "في السابق كانت بيلاروسيا تحتجز جوازات العراقيين في المطار، وتمنحها لهم مجددا حين عودتهم لبغداد، لكن قبل شهرين ألغت بيلاروسيا هذه الممارسة، وأصبح العراقي يحتفظ بجوازه لديه".

ويبدو أن هذا كان الضوء الأخضر للراغبين بالهجرة، كما يقول أحمد الذي يضيف "بإمكانك منح الأموال دائما لمن يعترض طريقك للهجرة في بيلاروسيا، لن تواجه مشاكل كبيرة عادة".

ويتوجه العراقيون إلى بيلاروسيا في مجموعات سياحية "تذهب الطائرة مملوءة بالمسافرين، قد يصل عددهم إلى 450 أو أكثر في كل رحلة"، يقول أحمد، مضيفا "لكن الطائرة العائدة تحمل أقل من نصف هذا العدد أحيانا، لأن الباقين لجأوا إلى مهربين لإخراجهم من بيلاروسيا إلى ليتوانيا".

وفي الأسبوعين الماضيين فقط، خرجت خمس رحلات عبر شركة فلاي بغداد، وأربع رحلات عبر شركة الخطوط الجوية العراقية الحكومية، بحسب أحمد الذي يقول إن هناك "مسافرين يطيرون أيضا عبر تركيا وشركة فلاي دبي".

نسخة من تذكرة السفر وموافقة الوصول إلى بيلاروسيا

نسخة من تذكرة السفر وموافقة الوصول إلى بيلاروسيا

"البحث عن مهرب"

الخلافات السياسية بين الرئيس البيلاروسي ألكسيندر لوكاشينكو، الذي تصفه الصحافة الغربية بـ"ديكتاتور أوروبا الأخير"، أوقعت العراقيين "ضحايا لها"، بحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية التي تقول إن هذه الخلافات الجيوسياسية  اشتدت "منذ أن أجبرت حكومة لوكاشينكو طائرة ركاب تابعة لشركة طيران (رايان إير) على الهبوط وألقت القبض على ناشط معارض، مما أثار إدانة عالمية، وأدى إلى فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على مينسك.

وأضافت الصحيفة "يبدو أن خطوط المعركة هذه قد تم رسمها على الحدود البيلاروسية الليتوانية في الأسابيع الأخيرة، حيث ارتفع عدد المهاجرين الذين يعبرون إلى ليتوانيا، وهي عضو في الاتحاد الأوروبي، من بيلاروسيا".

 

 

ويحاول بعض العراقيين العبور دون مهرب بسبب "ضيق الحالة المادية"، ويعتمدون على "خبرات شخصية في الجي بي أس"، كما يقول صاحب هذا المنشور الذي كان يدافع عن فكرة الهجرة من البلاد.

 

 

لكن آخرين قرروا البحث عن "دليل" وهو الاسم الدارج للشخص الذي يقوم بتهريبهم عبر الحدود. ومع أن تهريب البشر يعتبر جريمة لدى كثير من الدول، ومنها العراق، تجري العملية بسلاسة نوعا ما.

ادعى صحفي موقع "الحرة"، عبر حساب مجموعة في فيسبوك، إنه يرغب بالهجرة من بغداد، وسرعان ما تواصل معه شخص عبر حساب يحمل صورة واسما، نمتنع عن نشرهما لصعوبة التأكد من أصالتهما.

عرض الشخص على صحفي الحرة استخراج سمة دخول لبيلاروسيا من نوع "الستيكر اللاصق" وهي "فيزا مضمونة وجيدة" بحسب قوله، مقابل مبلغ 700 دولار لا يشمل تذكرة الطائرة.

ومن بيلاروسيا، يقول الشخص: "سيستقبلك رجال السيد (أ. ي) وهو اسم الشخص الذي يدير حلقة التهريب، كما يبدو.

ويمتلك (أ.ي) هو الآخر حساب في فيسبوك، لكن من دون صورة أو معلومات شخصية.

وعبر واتساب، تكلم صحفي "الحرة" مع (أ.ي)، الذي كان يبدو مشغولا، وغير راغب بالحديث مطولا، كما يبدو، مع الصحفي الذي كان يتكلم من رقم هاتف أميركي.

وأبدى (أ.ي) استعداده لنقل الصحفي وعائلته إلى ليتوانيا "من خلال نقطة عبور سهلة" مقابل مبلغ مالي لم يوافق على تحديده في الاتصال، مضيفا "لن نختلف، سافر فقط وسنتفاهم".

وقال (أ.ي) إن في المجموعة على فيسبوك مقاطع فيديو "تثبت مصداقيته"، ويظهر في تلك الفيديوهات أشخاص بوجوههم وأسمائهم وهم يستقلون سيارات، والسائق يتحدث عن أنهم "ذاهبون لعبور الحدود إلى ليتوانيا، وأن رجال أ. ب يفون بوعودهم دائما".

وقال إن حساب المجموعة يتضمن روابط فيديوهات لأشخاص تظهر وجوههم، أغلبهم من الشباب، وهم في معسكر احتجاز في ليتوانيا، كما يدعي الشخص الذي يصور الفيديو.

ولم يرد المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية على اتصالات موقع "الحرة" المتكررة للتعليق بشأن نشاط المهربين المزعومين على فيسبوك.

صورة من فيديو يقول ناشره إنه مصور في معسكر احتجاز لاجئين في ليتوانيا

صورة من فيديو يقول ناشره إنه مصور في معسكر احتجاز لاجئين في ليتوانيا

رحلة فاشلة

يقول سالم الغزي، وهو عراقي يبلغ من العمر 30 عاما، إنه استقل الطائرة قبل شهر وفي نيته الخروج لليتوانيا بعد أن اتفق معه مهرب على نقله من بيلاروسيا إلى ليتوانيا ومنها إلى فنلندا أو ألمانيا.

ويضيف الغزي لموقع "الحرة" إن "المهرب قال إننا سنمشي كيلومترا واحدا داخل ليتوانيا، ومنه سنستقل باصات تنقلنا إلى ألمانيا أو فنلندا، مقابل 5000 دولار للشخص الواحد".

كان يرافق الغزي زوجته وابنه، أراد أن يخرجهما من العراق لأن "الأوضاع هنا كارثية" مضيفا "بدت الفكرة جيدة والخطورة معدومة تقريبا مقارنة بالهجرة عبر تركيا والبحر الأبيض المتوسط، التي قد نموت كلنا خلالها".

لكن الغزي تريث قليلا وقرر "مطالعة الصحافة الأوروبية" عن الموضوع، واكتشف أن هناك آلافا من المهاجرين غير الشرعيين يتم اعتقالهم وهم يواجهون "مصيرا مجهولا" مما دفعه لترك الفكرة.

"استمتعنا قليلا في بيلاروسيا ثم عدنا إلى العراق، أفضل أن أواجه مصيري المجهول هنا على مواجهته في بلد لا أعرف عنه شيئا"، يقول الغزي.