الجندر.. الأدوار المجتمعية والصورة النمطية

تاريخ الإضافة الإثنين 21 حزيران 2021 - 7:31 ص    عدد الزيارات 424    التعليقات 0    القسم ثقافة وفن

        



تعتبر اللغة من أهم وسائل توزيع وفرض الأدوار الاجتماعية، حيث تمتد من خلال الشفهي والمكتوب مشرعنة صيغًا اجتماعية يرتضيها عامة الناس. حيث تسهم اللغة في إبراز أو إخفاء جنس معين في بعض المجالات عامة، من خلال أساليب لغوية تعمل على توكيد أو تحييد دور أو أهمية جنس دون الآخر.

 

من هنا، تكون الظواهر اللغوية عبارة عن تجليات لأبعاد ثقافية متفشية في مجتمعٍ ما، تتخفى في ثناياها أشكال متعددة من التحيزات الجندرية.

 

إن غاية النظر الذي نقصده هنا لا يهتم بدقائق اللغة النحوية أو الصرفية، بل يحاول تَفَهُم كيف يُطَوِع ويُطَوَع الناس من خلال لغاتهم، أي أنه يبحث في ثقافة الشعوب من خلال تجلياتها اللغوية، وتحديدًا في الحيز المنحصر في تطويع الجندر عبر اللغة. 


الصور النمطية

 
تساعد اللغة على ديمومة الصور النمطية من خلال إيجاد تعابير أو مفردات خاصة لمواقف أو وضعيات اجتماعية يلعب فيها الجندر دورًا حاسمًا.

 

على الرغم من وجود تماثل جندري في تلك المواقف والوضعيات، أعني أن الرجال والنساء قادرون على فعل ذات الشيء، إلا أن تلك التوصيفات االلغوية لا تُطلق على كلا الجنسين، بل تختار جانبًا لتنحاز إليه.


نجد العديد من التعبيرات شديدة الفظاظة في اللغة العربية والإنجليزية، تقدح في رجولة الشخص الليّن وطيب المعشر مع زوجه، فتصفه بالخنوع والخضوع وعدم القدرة على ضبط نسائه.

 

في المقابل، تغيب نظير تلك التعبيرات عن المرأة الخاضعة والمستبلة تمامًا لزوجها، حيث تُعتبر المرأة عُرفًا خاضعة بطبيعتها (1).

 

كذلك، توجد العديد من الأوصاف التي تقدح في المرأة التي تطوق للوصول لمواقع تُمارس فيها السلطة، حيث توصم هذه المرأة بـ"الاسترجال"، وكأن القوة والأنوثة لا يمكن أن تترادفا. فيما لا تجد مثل هذه الأوصاف عن الرجال، فالطموح للسلطة والاتسام بالقوة من لوازم الرجولة.

 

لذلك، كانت قوة شخصية مارجريت تاتشر الزعيمة الحديدية البريطانية المعروفة بمثابة تعزيزٍ للصورة النمطية التي تقول بتضاد الأنوثة مع السلطة والعمل السياسي، حيث اشتهرت عندما تقلدت منصب وزيرة التعليم بمنعها الحليب المجاني عن أطفال المدارس، وكأنها بهذا التصرف تناقض روح الأنثوي ذي الجسد المتدفق بالحليب (2)، فتخلع عنها كل ماهو أنثوي وترتدي كل ما هو ذكوري.


أيضًا، تؤسس اللغة لدى الرجال والنساء أساليب في الحكي، فيتحدث الرجل الجيد بشكلٍ مباشر، وتتحدث المرأة الجيدة بشكل غير مباشر. ينبني على هذا التقسيم مأزقًا يضع المرأة أمام خيارين كليهما مر، فإن تحدثت المرأة بطريقة مباشرة يتم وصمها بـ"سلاطة اللسان والوقاحة"، بينما إن تحدثت بطريقة غير مباشرة توصف بـ"المتلاعبة أو المراوغة" أو "ذات العقل المشوش".

 

يمنح هذا الوضع الرجل الأفضلية في العديد من جوانب الحياة، فحديثه الواضح المباشر يجعله أكثر مناسبةً لتقلد المناصب المؤثرة والحساسة سواءً في نطاق الأعمال الحكومية أو أعمال القطاع الخاص (3). 


اللغة وطبيعة الفرد  

 
أشرت إلى أن اللغة تنتج تعميمات عما يجب أن يكون عليه الرجل والمرأة. فتتخذ هذه التعميمات شكل الطبيعي، ويشيع الافتراض القائل بأن طبيعة المرأة تفرض عليها حديثًا يتحلى بصفات الأدب والتواضع والعطف والحنان ومراعاة الغير، بمعنى أنها جُبلت على تلك الصفات.

 

بينما تشيع افتراضات مغايرة عن طبيعة الرجل تخلق نمطًا مختلفًا في استخدام اللغة يكون أكثر جرأة وجدية وحدية وصلابة في الحديث (4).

 

تتعدى هذه التعميمات الصور النمطية لتصبح مقولات تأسيسية في طبيعة ما يجب أن يكون عليه الرجل والمرأة، يحاكم من خلالها الأفراد مجتمعيًا إذا ما انحرفوا أو اختاروا التخلي عن طبائعهم المتخيلة. 


لكن هذه المقولات تتخلخل من خلال النظر في الاستعمالات اللغوية المخالفة لدى العديد من المجتمعات الأخرى، التي أنتجت فيها النساء والرجال أنماطًا مغايرة من الحديث، إذا ما سمعها فرد من مجتمعات تطغو فيها المقولات الأبوية سيندهش من مقدار الاختلاف في طبائع تلك الشعوب.

 

على سبيل المثال، فإن طور السكان المحليين في غينيا الجديدة لغة تسمى "توك بيسين" Tok Pisin، تحتوي على نمط من الحكي المسرحي يدعى بالـ"كروس" kros طورنه النساء القرويات في قرية غابون، يتضمن اعتداءات لفظية فاحشة ضد المستعمرين.

 

أما في اللغة الوطنية الرسمية في مدغشقر "الملغاشية" فيوجد نمط عريق ومشهور من الحكي يرتبط بالرجال يعرف بالـ"كاباري" kabary يتسم بدرجة كبيرة من التلاعب والمراوغة، في مقابل ذلك تجد طبيعة الحكي لدى النساء في ذلك المجتمع ذات طبيعة مباشرة (5).

 

إن تصورات تلك الشعوب المختلفة عن طبيعة المرأة والرجل سمحت لهم بتطوير أنماط مغايرة في الحكي، عن تلك التي تعم في المجتمعات ذات التصورات الأبوية عن الرجال والنساء.


تاريخانية اللغوي

 
يمكن استنتاج فكرة أساسية من المذكور آنفًا وهي انحكام الاستعمالات اللغوية بالمكان. هذا يفتح المجال للقول بخصوصية تلك المجتمعات، التي شهدت فيها اللغة أنماطًا مختلفة من الحكي، عن عموم البشر. يمكن الرد على هذا القول باستعراض فترات زمانية شاعت فيها استخدمات لغوية تخالف العرف العام، ما يساعدنا على إدراك دور الزمان في تغيير عادات الاستخدام اللغوي المتداول. 


لاحظت آن روزاليند جونز في قراءتها لمجموعة من الكتب الأدبية تسمى "كتب السلوك conduct books"  في فترة ما بعد العصور الوسطى، أن هذه الكتب التي وجهت تحديدًا لنساء الطبقة العليا في المحاكم الملكية في عصر النهضة الأوروبية، لم توجه أي أدبيات سلوكية تحث سيدات المحاكم على الصموت ومراعاة رغبات ومشاعر الآخرين.

 

بل إنه على العكس من ذلك كان المتوقع من تلك السيدات أن يتصدوا بكل براعة للمبارزات اللفظية التي تقام في الفضاء العام بصفة اعتيادية.

 

وتبين جونز أن طباع المرأة الخاضعة الصامتة استقرت بعد صعود الطبقة البرجوازية البروتستانتية، وشيوع أفكارهم الخاصة عما يجب أن تكون عليه المرأة المهذبة (6).

 

نفهم مما تقدم أثر الزمان بالإضافة إلى المكان في تغير الاستعملات اللغوية جندريًا. من هنا، تفتح مقاربتنا التاريخية بابًا أكثر نسبية وتنوع يخالف التصورات الحتمية في النظر إلى تمثلات اللغة الجندرية.


خلاصات

 
يتضح لنا أن اللغة والجندر يَتَمَثّلان ثقافيًا، بشكلٍ يجعل اللغة وسيلة هامة في تطويع وشيوع خصائص معينة عن الجندر يرتضيها المجتمع. قد تخفى هذه التمثلات على الناظر من الخارج، ما يستوجب نظرٌ دقيق يرصد تلك التمثلات الدقيقة بين النساء أو الرجال، التي تحيّد أحدهم وتصدّر الآخر.

 

أيضًا، هناك فكرة دائمة الحضور عبر المجتمعات وهي وجود "اختلاف" بين الرجال والنساء، حيث إنه مهما كان الاستعمال اللغوي للرجال، فلن يكون استخدام المرأة نفسه.

 

هذا التمثلاث الثقافية هي عبارة عن أدوات يطورها المجتمع من خلال اللغة تحافظ على بقاء وطبعنة naturalize مفهوم المقابلة بين الجنسين ما يخلق تفاوتًا في الاستعدادات الاجتماعية والتسلسلات الهرمية بين الطرفين.