هل يتحاور الأوروبيون مع حماس؟

تاريخ الإضافة السبت 12 حزيران 2021 - 7:08 ص    عدد الزيارات 193    التعليقات 0    القسم العرب

        



أعربت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، فور إعلان وقف إطلاق النار في غزة، عن تأييدها إجراء "اتصالات غير مباشرة" مع حركة حماس، مشددة على أنها أساسية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار مع الاحتلال الإسرائيلي.

 

ويطرح ذلك تساؤلات عن إمكانية فتح خطوط اتصال علنية بين الأوروبيين والحركة، والمدى الذي يمكن أن تصل إليه تلك الاتصالات.


وقالت ميركل خلال منتدى نظمته مجموعة "في دي آر" الإعلامية: "لا يمكن القيام بالأمر دائما بشكل مباشر، لكن بالتأكيد يجب إشراك حماس بطريقة أو بأخرى لأنه من دون حماس لا وقف لإطلاق النار".


وكانت ألمانيا قد توسطت بين حماس والاحتلال في مفاوضات غير مباشرة حول صفقة تبادل أسرى حينما كان الجندي "جلعاد شاليط" أسيرا لدى الحركة.


ويشير الصحفي المتخصص بالشؤون الأوروبية، ناصر جبارة، إلى أن "المراقبين والصحفيين في برلين فوجئوا بتصريح المستشارة والذي خرج عن المألوف وقوالب السياسة الخارجية الألمانية تجاه الصراع في الشرق الأوسط".


وتابع جبارة في حديث: "ولكن ميركل سياسية رصينة ومعروفة بهدوئها وتوازنها في قياس الأمور، بالتالي أعتقد أنها لا تتحدث من فراغ، لهذا أظن أن مطالبتها بإجراء حوار غير مباشر مع حركة حماس لها دلالات كبيرة، وأتوقع بأن هذه المباحثات جارية الآن بالطبع عبر الوسيط المصري".


وأعرب جبارة عن اعتقاده بوجود "تنسيق ما بين الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي أو دوله بشكل فردي بضرورة إجراء مباحثات مع حركة حماس، خاصة مع دخول المصريين على خط الوساطة".


وأضاف: "أعتقد أن هناك قناعة لدى الأوروبيين بضرورة معالجة جذور الصراع، وذلك يتطلب إجراء مباحثات مع الطرف الآخر، وبالتالي لا بد من الحوار مع حماس سواء بشكل مباشر أو غير مباشر".


وأكد على أن "معالجة جذور الصراع تتطلب ضرورة فك الحصار عن قطاع غزة وإعادة إعماره وتسهيل حياة الفلسطينيين، لأن الأوروبيين لا يريدون تكرار هذا المشهد مرة أخرى، حيث عبروا عن ذلك أكثر من مرة، عبر القول ما الفائدة من إعادة الإعمار بغزة أو دعم المشاريع التنموية هناك إذا كانت إسرائيل ستهدم هذه المشاريع في أي مواجهة مقبلة".


وأوضح جبارة: "إذن هناك قناعة لدى الأوروبيين بضرورة إجراء هذا الحوار ويجب أن يجرى لأن حل هذه القضية يتطلب الحديث مع الطرف الآخر".


الموقف الأوروبي


وإثر تصريحات ميركل، أكد الناطق الرسمي باسم الاتحاد الأوروبي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لويس ميغيل بوينو، أن "دول الاتحاد الأوروبي تعتبر حماس حركة إرهابية، وهي مدرجة على القائمة الأوروبية للإرهاب، وعلى الرغم من أن مسألة الحوار معها قابلة للنقاش داخل المجلس الأوروبي إلا أن الموقف واضح بأنه ليس لنا حوار مباشر معها".

 

وحول إمكانية إجراء الاتحاد الأوروبي حوارا مع حركة حماس عبر وسطاء، قال بوينو في تصريح: "لست متأكدا من إمكانية حدوث ذلك في الوقت الحالي، لكن بالطبع تصريحات ميركل يمكن أن تمثل الموقف الألماني، أما بالنسبة للإجماع داخل المجلس الأوروبي لا أعتقد أن هناك إمكانية أو احتمال حدوث حوار معها سواء مباشرا أو عبر وسطاء".

 

اقرأ أيضا: ميركل تؤيد إجراء اتصالات مع حماس كونها الفاعل الأهم


وأوضح بوينو بأن المسألة تحتاج لكثير من الوقت، مشيرا إلى أن المبعوث الأوروبي الخاص للشرق الأوسط سفين كوبمانز زار المنطقة مؤخرا حيث زار إسرائيل والأراضي الفلسطينية.


وأكد على أن "الأمر بحاجة لإعادة النظر داخل البيت الأوروبي، متوقعا أنه قد تحدث نقاشات داخله حول الموضوع، فأي تغيير في موقف الاتحاد الأوروبي من الحوار مع الحركة يحتاج للبحث والنقاش".


دور الاتحاد الأوروبي في إعادة إعمار غزة


وحول إمكانية مشاركة الاتحاد الأوروبي في إعادة إعمار قطاع غزة، رغم سيطرة حماس عليه؛ أكد المتحدث الأوروبي أن "سياسة الاتحاد تجاه مشاركته بإعمار غزة عبر حماس واضحة، فهم يشترطون عدم تدخل الحركة".


وأشار إلى أن "الاتحاد الأوروبي يوصل المساعدات منذ سنوات عبر قنوات مختلفة، مع وجود آلية رقابية من قبل الاتحاد والبعثة الدبلوماسية التابعة له في القدس الشرقية (المحتلة)، ونحن نتعامل مع شركائنا في الوكالة الإنمائية في الأمم المتحدة وبالطبع لا يمكننا أن نتعامل مع حركة حماس بهذا الصدد فمثلما قلت هي حركة إرهابية".


ولفت إلى أن "الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل قال بوضوح لا يمكن توقع مساهمة الاتحاد الأوروبي في إعادة إعمار غزة إذا لم يكن هناك أفق لحل سياسي مستدام".


وأوضح بأن "الاتحاد الأوروبي يأخذ القرارات بالإجماع، والأوروبيون إلى الآن يجمعون على أن المساهمة الأوروبية في الإعمار ستكون بشروط، وأهم شرط هو استئناف المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل (الاحتلال)".


وعن إمكانية مساهمة الأوروبيين في الإعمار عبر وسطاء أشار إلى أن "الأمر يحتاج للنقاش والبحث داخل الاتحاد الأوروبي".


ما الذي تغير؟

 
ورغم تصريحات المتحدث الأوروبي، إلا أن موقف ميركل كان الأول من نوعه من زعيم غربي، ما يطرح تساؤلات عن أسباب ذلك التحول.


وأوضح أستاذ العلوم الإنسانية بالمعهد الأوروبي في باريس، صلاح القادري، بأن "السياسة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية انتهجت أسلوبين، الواقعية وسياسة الانفتاح، واعتمدت على خيار الحوار وهناك شواهد كثيرة على ذلك منها الأزمة اليونانية التركية".


وحول سبب تغيير الموقف قال القادري في حديث: "هناك عدة أسباب لتبدل هذا الموقف، أولا الحصيلة الكارثية للحرب على غزة والقدس والضفة، وتأثر الرأي العام الأوروبي بالحجم الهائل للجرائم التي حدثت في العدوان على غزة".


ولفت إلى أن "السبب الأهم هو أن حماس أصبحت لديها قدرات حتى لو لم توازِ قدرة الكيان الإسرائيلي، إلا أنها وازنت الردع، بمعنى أنها حتى من الناحية العسكرية استطاعت خلق نوع من التوازن في الردع، وذلك بفضل أن الحراك الأخير لم يكن فقط في غزة بل امتد أيضا للقدس والضفة ومدن أراضي 48 بالتالي حماس ليس لديها فقط توازن عسكري بل أيضا استراتيجية سياسية".


ولفت أيضا إلى أهمية "عودة مصر للعب الدور الذي أرادت الإمارات سرقته منها، والأوروبيون لديهم ثقة أكبر بمصر من النظام الإماراتي، ولكن الأمر لن يكون سهلا لأنه قد يكون هناك اعتراض خاصة من فرنسا".


وحول شكل الحوار أشار القادري إلى أن "بداية الاتصالات ستكون سرية ودبلوماسية وعبر وساطات خاصة القطريين والمصريين، أي من تحت الطاولة".


وتابع بأن "الأمر يعتمد على عدة عوامل مؤثرة مثل سياسة الحكومة الإسرائيلية الجديدة أو نجاح صفقة تبادل أسرى بين حماس والكيان الإسرائيلي فكل هذه العوامل مساعدة، أيضا التغيير في البيت الأبيض قد يساهم في ذلك، خاصة أن بايدن بعد وصوله للرئاسة أعاد المساعدات لوكالة الغوث وفتح مكتب المنظمة في واشنطن، بالتالي ساهم هذا التغيير في إعادة انفتاح الأوروبيين على القضية الفلسطينية، وفي المرحلة المبكرة سيكون هناك إرادة للتهدئة في الشرق الأوسط".


فشل الرهان على إخضاع المقاومة


من جهته أشار جبارة إلى أن أحد أهم أسباب تغير الموقف الأوروبي "هو قدرة الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة على تغيير المعادلة، حيث استطاعت الخروج بنصر معنوي لجميع الفلسطينين، وتحديدا من خلال توظيف موضوع القدس في هذا الصراع".


وأوضح بأن الأوروبيين "لا يراهنون على الحصان الخاسر، وهم يرون بأن حركة حماس هي التنظيم السياسي الأقوى على الساحة الفلسطينية وبالتالي أمر طبيعي أن يتفاوض الأوروبيون مع الطرف القوي وليس مع الطرف الضعيف والمقصود هنا سلطة محمود عباس في رام الله، فهذه السلطة ضعيفة إلى حد بعيد، وهم يعلمون بأن موقف السلطة لا يلقى قبولا لدى الشارع الفلسطيني وهذا الأمر كان ظاهرا في الفترة الأخيرة بالمقابل هم يرون أن الطرف القوي هي حركة حماس وبقية فصائل المقاومة".

 

وأكد في ختام حديثه على "ضرورة عدم الوقوع في خطأ تحويل الصراع إلى أنه فقط بين إسرائيل وحماس، فهو صراع وجودي بين جميع الفلسطينيين وإسرائيل".

 

وبدوره، أكد الخبير بالشؤون الأوروبية حسام شاكر أن "الرهان كان في السابق على محاولة إخضاع المقاومة الفلسطينية، لكن تأكد بأن هذا الأمر غير ممكن سواء عبر الحصار أو الحروب الممتدة".


وأوضح في حديث بأن "الرهان على المزيد من هذه السياسة أدى إلى مفعول عكسي حيث تصلبت جبهة المقاومة والشعب الفلسطيني الحاضن لها، وبالتالي لا يمكن الاستمرار بالرهان على تجريب المجرب منذ تقريبا 14 عاما، ونحن نتحدث هنا عن تطور منطقي جدا، حيث بدا أن الاحتلال هو الخاسر سواء من ناحية الحصار من جانب أو الإخضاع من جانب آخر".


وبدوره أوضح المحلل السياسي المقيم في باريس، إسماعيل خلف الله، بأن "الدول الأوروبية ومنهم ألمانيا يرون بأن الفاعل الرئيسي والمؤثر في المشهد الفلسطيني على الأرض هو حركة حماس وبالتالي باعتقادي أنهم الآن يسعون للحوار معها".


وأكد خلف الله في حديث أن "الأوروبيين أصبحوا على قناعة تامة بأن أي مباحثات أو مفاوضات مستقبلية لن تتم إلا بإشراك حركة حماس، وربما هم يحاولون أن يستبقوا الأحداث ويقولون بأن هذا الحوار غير مباشر، بالتالي هي محاولة منهم للقول بأنهم مرغمون على هذا الحوار وعلى إشراك حماس كطرف أساسي وفاعل في أي مفاوضات أو إجراء يتم تبنيه مستقبلا".