تركيا والسعودية.. حراك دبلوماسي متواصل

تاريخ الإضافة الجمعة 7 أيار 2021 - 2:23 م    عدد الزيارات 207    التعليقات 0    القسم العرب

        



ستة أشهر مضت على المقاطعة التجارية -غير الرسمية- للمنتجات التركية التي تستوردها السعودية، وفيها تغيرت الأرقام رأسا على عقب وأصبحت آثارها معكوسة على أرض الواقع، وهو الأمر الذي تؤكده بيانات حديثة صادرة عن "جمعية المصدرين الأتراك".

البيانات تشير إلى أن صادرات تركيا إلى السعودية جفّت بالكامل، في أبريل الماضي، حيث عنونت صحيفة "ديلي صباح"، المقربة من الحكومة التركية، بنسختها الإنجليزية، أن "صادرات تركيا إلى السعودية تصل إلى "الصفر" تقريبا في أبريل".

كما ظلت الصادرات التركية عند أدنى مستوى تاريخي، لتتراجع بنسبة 94.4 بالمئة على أساس سنوي إلى 11.25 مليون دولار. ووفقا لـ"جمعية المصدرين الأتراك" (TIM) فقد انخفضت الصادرات من حوالي 201 مليون دولار (1.67 مليار ليرة تركية) قبل عام من الآن.

ما سبق قد يعكس بجزء كبير منه طبيعة العلاقات السعودية - التركية، والتي لم تخلُ من التوتر وشبه القطيعة منذ عام 2018. وزاد على ذلك الخطوة التي أقدم عليها رجال أعمال سعوديون، العام الماضي، إذ وافقوا على مقاطعة غير رسمية للسلع التركية، ردا على ما وصفوه بـ"عداء أنقرة".

هذه المقاطعة، ورغم تنصل الرياض منها، إلا أن مراقبين وخبراء أكدوا أنها كانت بدفع منها ردا على سياسية أنقرة الخارجية.

وفي المقابل، كان للأخيرة موقف مشابه، إذ التزمت عدم التصعيد لأهداف قد تصب ضمن إطار "عدم سكب الزيت على النار"، وهو أمر أبقى هذه القضية مثار جدل تصدره رجال أعمال سعوديون من جهة ورجال أعمال شركات تركية متضررة من جهة أخرى.

"حراك دبلوماسي"

من لغة الأرقام والتجارة التي تكشف حجم الهوة بين البلدين إلى لغة السياسة، فالمشهد قد يبدو مختلفا شيئا ما، لاسيما في ظل الحراك الدبلوماسي الذي تدفع به أنقرة، ومنذ أشهر، في سبيل إعادة تطبيع علاقاتها المتأزمة مع الرياض.

وما بين يوم 15 أبريل الماضي و5 مايو الحالي، أجرى الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، اتصالين هاتفيين مع الملك، سلمان بن عبد العزيز، وتوجه الأخير بمعلومات رشحت عن نية وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، إجراء زيارة إلى السعودية، الأسبوع المقبل.

وتقول مصادر مقربة من الحكومة التركية إن الزيارة مجدولة في يوم 11 من مايو الحالي، "لكنها قد تتغير بناء على الظروف المتغيرة".

وتضيف المصادر أن "هبوط نسبة الصادرات التركية إلى السعودية لمستويات غير مسبوقة لن يؤثر بالدرجة الأولى على الجانبين، وأيضا لن يكون له تأثر على التحالفات الجديدة التي يسير الدفع باتجاهها".

"الصادرات تلعب دورا اقتصاديا سلبيا لكنه ليس بكبير"، وتتابع المصادر بأن "حجم التبادل التجاري في السابق مهم، إلا أنه لم يتعد خمس مليارات دولار، وهو رقم قليل إذا ما نظرنا إلى حجم التبادل التجاري بين تركيا وألمانيا مثلا (12 مليار دولار على أساس سنوي)".

وعلى خلاف الدفع التركي باتجاه مصر، تغيب الأهداف الواضحة التي تريدها أنقرة بشأن إعادة تطبيع علاقاتها مع الرياض، بمعنى أن تفاصيل "خارطة الطريق" للدفع باتجاه إصلاح العلاقات غير محددة حتى الآن.

وما يزيد من الغموض أكثر غياب الموقف السعودي الواضح، على الرغم من الإشارات الإيجابية التي تخرج من العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز. الإشارات ما تزال تقابلها سياسية عدائية، لعدم إنهاء المقاطعة التجارية من جهة، وللضغط على تركيا من أجل تقديم تنازلات توصف بـ"الموجعة".

تلك السياسة العدائية تعكسها وسائل الإعلام الرسمية للرياض وأخرى تتلقى الدعم منها، ويعكسها أيضا محللون وخبراء سعوديون ورجال أعمال آخرون عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشكل مستمر ومتواتر.

"ملفان للتباحث"

وزادت حدة التوترات بين الرياض وأنقرة، بعد اغتيال الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، في القنصلية السعودية بإسطنبول، يوم 2 أكتوبر 2018، والموقف التركي الحازم المطالب بمحاكمة المسؤولين عن اغتياله.

لكن هذا الملف كانت أنقرة قد أبدت انعطافه غير مسبوقة فيه، وفي تغير ملحوظ في لهجتها، رحب المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، ولأول مرة، بالمحاكمة التي أجرتها السعودية، والتي قضت العام الماضي بسجن 8 متهمين بقتل خاشقجي بين 7 سنوات و20 عاما.

وأضاف كالين لرويترز، أواخر أبريل الماضي، أن "لديهم محكمة أجرت محاكمات. اتخذوا قرارا، وبالتالي فنحن نحترم ذلك القرار"، كما دعا الرياض في سياق حديثه إلى إنهاء "المقاطعة"، في إشارة حملت نوايا اقتصادية وسياسية، حسب مراقبين.

وهناك معلومات تخرج من أنقرة، وكشفت عنها مصادر مقربة من الحكومة التركية، في الأيام الثلاثة الماضية، وتفيد أن زيارة جاويش أوغلو ستتركز أولا على الأوامر السعودية الأخيرة بإغلاق 8 مدارس تركية تعمل في الرياض ومحافظات أخرى، بالتزامن مع نهاية العام الدراسي 2020-2021.

وتشمل هذه الأوامر المدارس التركية الدولية في كل من الرياض وجدة وتبوك والدمام والطائف وأبها ومكة والمدينة المنورة، وتم الإعلان عنها منذ سبعة أيام، حسب ما تحدثت وكالة "الأناضول" شبه الرسمية.

وإلى جانب الملف المذكور، من المقرر أن يتباحث جاويش أوغلو مع الساسة في السعودية خطوات إعادة تطبيع العلاقات، وجملة من الملفات العالقة، سواء السياسية أو تلك المرتبطة بالمقاطعة السعودية بشأن المنتجات التركية.

ما محل "المقاطعة" من التحرك؟

وهناك أكثر من 200 شركة تركية تعمل في السعودية، كما تعدّ الرياض الدولة الخليجية الثانية بعد قطر والدولة السابعة في العالم على صعيد حجم الأعمال التي ينفذها المقاولون الأتراك فيها.

وهوت تركيا إلى المرتبة 67 من حيث الصادرات للمملكة، من المركز 11، في فبراير من العام الماضي، وفقا للبيانات الحديثة التي أظهرت أن الصين مازالت تحتل الصدارة.

ويرى المصدرون الأتراك أن الصراع السياسي بين تركيا والسعودية يضر التجارة، وهو الأمر الذي دفع أكبر ثماني مجموعات أعمال في تركيا لإصدار بيان، قالوا فيه إن السلطات السعودية كثفت جهودها لمنع الواردات التركية، محذرين من أن سلاسل التوريد العالمية تتضرر من خطوة الرياض.

واستشهدت المجموعات بشكاوى من شركات سعودية، مفادها أن السلطات أجبرتها على توقيع رسائل تلتزم بعدم استيراد سلع تركية، واشتكوا من استبعاد المقاولين الأتراك من المناقصات الكبرى.

وسبق وأن ذكرت صحيفة "صباح" التركية، في 19 من أبريل الماضي، أن أنقرة وجهت شكوى إلى منظمة التجارة العالمية، بسبب حملة المقاطعة، وأوضحت أنه تم إبلاغ الأخيرة بالممارسات التي تقوم بها الرياض، والتي تقيّد التجارة بين البلدين.

ونقلت الصحيفة عن وزيرة التجارة التركية، روهصار بكجا، قولها إن السعودية، منذ 15 نوفمبر 2020، علقت عددا من الواردات من تركيا، بما فيها منتجات البيض والحليب واللحوم البيضاء وغيرها، فيما أبقت على العديد من المنتجات الأخرى معلقة في الجمارك.

والخطوة التركية بالتوجه إلى منظمة التجارة العالمية يرى خبراء اقتصاد أنها لن يكون لها أي تبعات مساءلة بالنسبة للرياض، خاصة وأنها نفت بشكل رسمي وقوفها وراء حملة المقاطعة، وبالتالي جعلت من هذا الملف وسيلة ضغط سياسية لوضعها على الطاولة في المباحثات المقبلة إن تم السير فيها.

"أبعاد اقتصادية"

وفي تصريحات لم يستبعد الاستشاري الاقتصادي التركي، جلال بكار، أن يكون ملف المقاطعة السعودية ضمن المباحثات المقبلة بين الرياض وأنقرة.
 
ويقول بكار المقيم في إسطنبول إن "هناك أبعاد اقتصادية للتحرك التركي، لكن التبدلات السياسية في المنطقة تكون كل 7 سنوات على الصعيد الخارجي، وهو أمر مرتبط بالإدارة الأميركية، وبحسب سياساتها للشرق الأوسط".

ويوضح الاستشاري الاقتصادي أن الصادرات التركية إلى السعودية تقتصر على المواد الغذائية والأثاث المنزلي من سجاد وحرير، بينما تقتصر الصادرات السعودية لتركيا على المواد النفطية، لاسيما أن تركيا بلد منتج واقتصادها يتوقف على المواد الأولية للإنتاج.

وبحسب بكار، فإن "المنتج التركي من المهم تصريفه في السوق السعودية، لأنها سوق مستهلك. لكن حجم التبادل التجاري بين الطرفين لا يعكس أن هناك ضررا كبيرا أو هبوط من حساب اقتصاد لآخر".

ويرى الاستشاري الاقتصادي في تصريحات لموقع أن حجم التبادلات التجارية بين البلدين لا تتجاوز 5 مليار دولار، وهو رقم ضعيف جدا نسبة لحجم اقتصاد البلدين.

"خجل واندفاعة"

ما بين المقاطعة وتأزم العلاقات، وحديثا الحراك الدبلوماسي، تبقى نوايا الرياض "خجولة" إزاء الاندفاعة التركية، وهو ما تثبته المواقف التي اتخذتها في الأيام الماضية بإغلاق المدارس، وعكوفها المستمر عن استيراد المنتجات التركية.

وقد يصعب ما سبق من التقارب السريع بين البلدين، في المرحلة الحالية، على خلاف تحركات التقارب ما بين أنقرة ومصر، والتي تتصدر مشهد السياسة الخارجية منذ أشهر، وتكللت منذ يومين بزيارة أجراها وفد تركي رفيع المستوى إلى العاصمة المصرية القاهرة.

الباحث في الشأن التركي، محمود علوش، يرى أن "إصلاح العلاقات مع السعودية يشكل أولوية في السياسة الخارجية التركية الجديدة. علاقة جيدة لتركيا مع السعودية تفتح لها آفاقا عربية عديدة".

ويقول الباحث في تصريحات لموقع  إن "أنقرة تسعى إلى إحداث توازن في سياستها الإقليمية وهذا لا يمكن أن يتحقق من دون ترميم العلاقات مع القوى الإقليمية الوازنة كمصر والسعودية على وجه التحديد وهذا ما تحاول فعله الآن".

وفي الفترة الأخيرة، شهدنا خطابا إيجابيا متبادلا بين الأتراك والسعوديين، لكن ذلك لا يكفي، بحسب علوش.

ويشير إلى أن "إطلاق مسار جديد بحاجة لخطوات عملية على المستوى الثنائي، على غرار ما تفعله أنقرة والقاهرة. أعتقد أن هناك فرصة حقيقية لإطلاق هذا المسار".

"الكرة في ملعب السعوديين"

وكان لأزمة خاشقجي تبعات كبيرة على العلاقة بين قيادات البلدين، ولن يكون تجاوزها بالأمر السهل، ويتابع الباحث بأن "الأتراك قالوا إنهم يحترمون أحكام القضاء السعودي في هذه المسألة ويريدون طي هذه الصفحة. الكرة في ملعب السعوديين الآن".

وترغب السعودية في فتح صفحة جديدة مع تركيا، لكنها تتريث بحسب المشهد العام قبل الإقدام على خطوة كبيرة في هذا الخصوص، وتنتظر وضوح التوجهات التركية الجديدة، وما إذا كانت جادة أم مجرد إعادة تموضع في الخطاب.

كما أن السعودية ترهن أي تحرك تجاه أنقرة بنتائج المحادثات التركية المصرية. وأي تقدم على المسار التركي المصري سينعكس إيجابا على المسار التركي السعودي والعكس.

ويوضح الباحث علوش أن عدة محاولات جرت في السنوات الماضية لإصلاح العلاقة بين الرياض وأنقرة، لكن الظروف لم تكن متهيئة لذلك، ومن شأن تراجع الاستقطاب الإقليمي في المرحلة الحالية أن يساعد في ذلك.

وأضاف علوش في سياق حديثه أن "المنطقة تحاول التأقلم مع المتغيرات الدولية التي تفرض على دول الإقليم تبني خطاب خارجي جديدة يتناسب مع المرحلة. مجيء إدارة بايدن والانسداد في أفق الصراعات الإقليمية المتعددة كلها عوامل تدفع هذه الأطراف لتعديل سياساتها وتبني لهجة أكثر ودية تجاه الآخرين".