هل يغرد الفلم داخل النمطية

تاريخ الإضافة السبت 12 كانون الأول 2020 - 12:16 ص    عدد الزيارات 551    التعليقات 0    القسم ثقافة وفن

        



عربي 21 - بثينة عبد العزيز

حدّثني عدد من الزملاء الإعلاميين وبانبهار شديد عن الفيلم الوثائقي اللّبناني: "نحن من هناك" الذي عُرض الاثنين الماضي في مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الاثنين والأربعين الممتدة من 2 كانون الأول/ ديسمبر إلى العاشر من الشهر ذاته. 

 

كان انبهارا فقط لمحاولة مخرج الفيلم الانزياح ولو جزئيا عن السّرد المملّ للواقع، وإقحام المشاهد إلى مساحة تخييلية لم يتعوّدها في أعمال وثائقية كهذه. 

يصور الفيلم قصة مدرس موسيقى يهاجر بطريقة غير شرعية، وينقل تفاصيل الرّحلة من تركيا إلى اليونان إلى مقدونيا ثم صربيا والمجر، وصولا إلى السويد.

هذا الحديث أعادني إلى السّؤال ذاته: متى ينجح الفيلم الوثائقي في الإفلات من مفهومه القاموسي ليعانق مساحات إبداعية جديدة، أو أن المخيال العربي بعيد كل البعد عن ولوج هذه المساحات، أو هي بالأصل عدم قدرة على تجاوز التصوّر التقليدي؟

طرح موضوع عن فن صناعة الأفلام الوثائقية، في العادة، لا يغادر حلقات النقاش في إطار مناسباتي كالمهرجانات، ويبدو أنّني لا أحيد عن هذه القاعدة، ولكن لا يمكن على الأقلّ ألاّ نساهم في دفع حركة التفكير في فن صناعة الأفلام الوثائقية في عالمنا العربي بحثا عن حلول لإخراجها من بوتقة التّنميط؟

 

صحيح أنّه بعد ثورات الرّبيع العربي شهدت صناعة الأفلام الوثائقية انتعاشة، ولكنها منقوصة، ظلّت تشكو "عوزا" فنيا إبداعيا. فتسمع جعجعة ولا ترى طحينا.

125 سنة من السينما الوثائقية!

إذا حاولنا البحث في الأفلام الوثائقية العربية، سنجد أنّ الأفلام لم تغادر المفهوم القاموسي لهذا المصطلح، بل وأيضا سنلحظ خلطا في المفاهيم بين الفيلم الوثائقي والفيلم التسجيلي أو الريبورتاج، ومن ثم سنعود إلى ذاك الجدل التاريخي بين الواقعي والتّخيلي.

 

والمثير، أن المسألة محسوم فيها منذ تقرييا أكثر من قرن (125 عاما)، أيّ منذ تاريخ ظهور أوّل الأفلام الوثائقية مع الأخوين لوميير سنة 1895، فحتى فيلم "الخروج من مصنع لوميير في ليون" لم يلتزم باستنساخ الواقع، وإنما غذّاه من مخيّلته من خلال ظهور العمال بزي غير زي العمل. ليستبق بذلك ما نظّر إليه دوبريه حول مفهوم الصورة، حين أكد أنها أصبحت هي مرجعيّة الواقع، وليس العكس.
 
ظل الفيلم الوثائقي في الذهنية العربية مرتبطا فقط بالجانب التثقيفي المعرفي، خاصة مع ظهور القنوات التلفزية في الخمسينيات، واعتمادها على هذه الأفلام الوثائقية كمادة إعلامية تعليمية، إلى حين ظهور القنوات المتخصصة في الفيلم الوثائقي في التسعينيات.

هل خدمت الرّقمنة السينما الوثائقية العربية؟ 

 

دخلنا إلى مرحلة أفلام الموبايل، وأصبح أي كان قادرا على إنجاز عمل توثيقي بهاتف، ولكن هذا سلاح ذو حدّين، فمن جهة نشُطت الحركة الإنتاجيّة على "يوتيوب"، ومن جهة أخرى طغت الأعمال التي تدّعي انتماءها للوثائقي، ولكنها في نهاية الأمر مجرد تقارير بصورة رديئة. لننتهي إلى التأكيد أنّ الرقمنة في بلدان العالم النّامي نشّطت حركة الدخلاء وجمّدت الحركيّة الإبداعية في مجال الفيلم الوثائقي. 

على المستوى العالمي، منذ شراء "غوغل" لـ"يوتيوب" في 2006، فُتحت قنوات مهمّة للترويج للأفلام الوثائقية التي تستجيب في بنيتها لشروط أيّ عمل سينمائي شكلا ومضمونا. 

 

كان فيلم المخرج الأمريكي مايكل مور فهرنهايت 11/9 سنة 2004 من أشهر الأفلام، الذي يدور حول تزوير الانتخابات 2000 في فلوريدا وأحداث 2001، وينتقد في ذلك سياسة الرئيس بوش بأسلوب يجمع بين واقعية الأحداث والتعمق فيها، بحثا واستشرافا من خلال صور تحفّز المخيّلة نحو واقع بديل، وتطرح أسس التّأسيس له بطرح عميق لخلل النظام آنذاك.

 

 

ويبدو أنّ مثل هذا الطّرح يبدو صعبا على صنّاع الفيلم الوثائقي العرب، فإما يسقطون في المباشرة الساذجة أو التحليل السطحي للواقع السياسي والمتأتّي عن جهل فكري وثقافي ومجتمعي.

بعد الثورة التونسية، ظهرت العديد من الأعمال التوثيقية للمرحلة التاريخية، التي صنفت نفسها ضمن سينما الوثائقي، ولكنها في الواقع ليست إلّا ريبورتاجات. وهناك نوعية أخرى من الأعمال التوثيقية التي سقطت في فخ المباشرة السطحية، وعجزت عن إدارة الشهادات بطريقة جعلت منها وكأنها برنامج تلفزي مصوّر في حي شعبي ينقل شهادات الناس.

 

كذلك في فيلم فتح الله تي في، الذي بدت مخرجته وداد الزغلامي غير قادرة على السيطرة على البنية الفنية لعملها، فتاهت بين الفيلم التسجيلي والوثائقي، وربما الروائي أحيانا. أثقلتها الأحداث المتراكمة فراكمتها للمشاهد دون بنية فنية، وكأنها مقدمة برنامج اجتماعي من تلفزيون الواقع. 

تهميش الفيلم الوثائقي

يظل الاهتمام بفن صناعة الفيلم الوثائقي في العالم العربي ضعيفا مقارنة بالأفلام الروائية. في البداية لم يكن الفيلم الوثائقي ليحلق بعيدا عن الريبورتاج، فكان لا يتجاوز الإبداع فيه حدود التقاط الصور.

بين الأفلام الوثائقية والروائية؟

 

الوثائقي في العالم العربي ضعيف مقارنة بالأفلام الروائية، وذلك لعدة أسباب إنتاجية مرتبطة بنظرة دونية لهذا الجنس الفنّي، وهو ما يجعل نسب تمويله ضعيفة، بالإضافة لعدم مراهنة شركات الإنتاج عليه.

 

ولا يفوتنا بعض الممارسات الأخرى؛ مثلا، أنّ القاعات السينمائية لم تواكب الحداثة وظلت في قبضة تقاليد قديمة في تعاملها مع الأفلام الوثائقية، فلا تعرضها إلّا كتعبئة وقت فراغ، هذا الوقت الفاصل بين دخول الجمهور وانطلاق الفيلم الرّوائي.
 
تبقى صناعة الفيلم الوثائقي متعثرة ومهمّشة حتى من قبل بعض المخرجين الذين يرونه أشبه بمحطة عبور، لا أكثر، أو مرحلة عدم نضج في مسيرتهم السينمائية، فلا يولون أهمية إبداعية لهذا الجنس الذي من المفترض ألّا يقترن بمجرد توثيق أو نوع من الأرشفة للأحداث.

 

ربما يرتبط هذا بمتفرّج عربي يغرق في البكاء على أطلال الماضي، ويغلق على نفسه في عالمه الساحر الذي ينسجه بخياله، ربما لهذا السبب يهرب إلى أفلام الأكشن أو الكوميديا أو الرّومانسية، ولا يريد أن "ينكّد" على سباته بفيلم وثائقي، قد ينجح في تحريك فكره المتجمد.

 

إنّ عدم اقبال المشاهد العربي على الفيلم الوثائقي، يعكس أيضا علاقته بالسينما التي لا تتعدى حدود الترفيه.