السلطات السودانية وقضية تسليم البشير لـ"الجنائية الدولية"؟!

تاريخ الإضافة الخميس 13 شباط 2020 - 3:50 م    عدد الزيارات 43    التعليقات 0    القسم أخبار

        



يبدو أن مواقف السلطات السودانية من قضايا أساسية أصبح قابلًا للتغير، حسب ما تقتضيه ضرورة الأحداث في البلد، وموقف الحكومة الانتقالية منها.

 

لذلك لم يكن مفاجئًا إعلان الحكومة، الثلاثاء، اتفاقها مع الحركات المسلحة في إقليم دارفور (غرب)، خلال مفاوضات السلام بجوبا، على تسليم كل المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، بتهم ارتكاب جرائم حرب في دارفور.

 

هذه الموافقة الحكومية، وفق مراقبين، يمكن أن تُقرأ في سياق التحولات التي يشهدها السودان منذ أن عزلت قيادة الجيش، في 11 أبريل/ نيسان الماضي، عمر البشير (1989: 2019) من الرئاسة، تحت ضغط احتجاجات شعبية بدأت أواخر 2018، تنديدًا بتردي الأوضاع الاقتصادية.

 

وتخالف التحركات السياسية على مستوى مجلسي "السيادة" والوزراء الانتقاليين، خلال الأيام القليلة الماضية، مواقفًا ظلت راسخة لعقود في البلد الإفريقي.

 

وجاء الإعلان عن موافقة الحكومة على لسان المتحدث باسم وفد التفاوض الحكومي، عضو "مجلس السيادة"، محمد الحسن التعايشي، عقب جلسة مفاوضات مع حركات دارفور المسلحة.

 

وهذا هو الإقرار الأول بقابلية تنفيذ الحكومة لأوامر المحكمة الدولية التي ظلت تطالب، لأكثر من 10 سنوات، بتوقيف البشير وثلاثة من أعوانه.

 

وأصدرت المحكمة أمرين باعتقال البشير، عامي 2009 و2010، بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية بدارفور. فيما ينفي البشير صحة الاتهامات، ويتهم المحكمة بأنها مُسيسة.

 

ويشهد إقليم دارفور، منذ 2003، نزاعًا مسلحًا بين القوات الحكومية وحركات مسلحة متمردة، أودى بحياة حوالي 300 ألف شخص، وشرد نحو 2.5 مليون آخرين، وفق الأمم المتحدة.

 

موقف البشير

 

رغم خلو تصريح التعايشي من اسم البشير صراحة، إلا أن إعلانه الاتفاق على مثول من صدرت بحقهم أوامر اعتقال من المحكمة الدولية، يشمل البشير، باعتباره المتهم الأبرز.

 

وقال التعايشي: "التزمنا واتفقنا اليوم على مثول الذين صدرت بحقهم أوامر قبض أمام المحكمة الجنائية الدولية، ثم اتفقنا على المحكمة الخاصة لجرائم دارفور".

 

عدم ذكر اسم البشير لا يغير من واقع أنه المطلوب الأول للمحكمة الدولية، ويضع الحكومة الانتقالية أمام ضرورة تنفيذ ما اتفقت عليه في مسار دارفور بمفاوضات السلام.

 

وذهب النائب العام السوداني، تاج السر الحبر، خلال لقائه وفدًا لمنظمة "هيومن رايتس واتش"، الثلاثاء، في الاتجاه ذاته بقوله إن موقف الحكومة من المحكمة وتسليم البشير يتوقف على ثلاثة عناصر، هي "التفاوض في جوبا وما سيسفر عنه، والإصلاح القانوني، والتشاور مع المكون المحلي، وعلي رأسهم أسر الضحايا".

 

لكن مراقبين يرون أن حديث الحكومة عن تسليم البشير لا يمثل تحولًا في مواقفها، فقد سبق وأن تم تداول تسليم البشير بين الحكومة وأطراف دولية.

 

كما أن تحالف "قوى إعلان الحرية والتغيير"، قائد الحراك الشعبي، أعلن موافقته سابقًا، والمكون العسكري في "مجلس السيادة" أكثر مرونة من أجل إزالة أي عائق أمام انخراط السودان في المجتمع الدولي.

 

وقال رئيس "مجلس السيادة"، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، عقب لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتهية ولايته، بنيامين نتنياهو، في أوغندا الأسبوع الماضي، إنه مستعد لطرق كل الأبواب لتحقيق مصلحة السودان.

 

وفق عباس محمد إبراهيم، صحفي سوداني، فإن عزم الخرطوم تسليم المتهمين، وبينهم البشير، إلى المحكمة الدولية هو "بمثابة خطوة تعني الكثير لمن عاشوا أهوال الحرب التي نفذها نظام البشير".

 

وأضاف إبراهيم أن "التأكيد على مثول مرتكبي هذه الجرائم أمام الجنائية الدولية يعني الكثير لماضي ومستقبل الوطن الذي يريده الجميع".

 

تكتيك تفاوضي

 

الإعلان عن الموافقة على تسليم المطلوبين للمحكمة جاء عقب حدوث توافق بين الحكومة وحركات دارفور المسلحة، وهو ما اعتبره مراقبون تكتيكًا مرحليًا من جانب وفد الحكومة المفاوض لتجاوز عقبات التفاوض، وصولًا إلى السلام.

 

وتحقيق السلام قد يجعل المثول أمام المحكمة الدولية مرتبطًا بقضايا عديدة يواجهها البشير حاليًا، أو قد يواجهها مستقبلًا في السودان، وعلى رأسها تهمة تدبير الانقلاب العسكري على النظام الدستوري، عام 1989.

 

كما يقضي البشير عامين في مؤسسة للإصلاح الاجتماعي، نظرًا لكبر سنه (76 عامًا)، عقب إدانته من محكمة سودانية، في ديسمبر/ كانون أول الماضي، بتهم فساد مالي.

 

وهو ما يعني أنه تسليمه قد يخضع للتأجيل وفق مقتضيات محاكمته في السودان، والتي قد تأخذ وقتًا.

 

ولعل ذلك ما دفع هيئة محامي دارفور (غير حكومية)، الثلاثاء، إلى دعوة السلطات السودانية أن تتفق مع المحكمة على استرداد جميع مرتكبي الجرائم، بمن فيهم البشير، عقب محاكمتهم، للمثول أمام المحاكم الوطنية، عن كل الجرائم المرتكبة.

 

وكانت قوى التغيير أعلنت، في نوفمبر/ تشرين ثاني الماضي، توافق جميع مكوناتها على تسليم البشير للمحكمة الجنائية، حال برأه القضاء السوداني.

 

وبجانب البشير، تتهم المحكمة كلًا من وزير الدفاع والداخلية الأسبق، عبد الرحيم محمد حسين، ووالي شمال وجنوب كردفان الأسبق، أحمد هارون، والزعيم القبلي، قائد إحدى مليشيات دارفور، علي كوشيب، بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بدارفور.

 

وتتقاسم قوى التغيير السلطة مع الجيش، خلال مرحلة انتقالية بدأت في 21 أغسطس/ آب الماضي، وتستمر 39 شهرًا تنتهي بإجراء انتخابات.

 

رافضون للتسليم

 

يرفض أنصار حزب البشير (المؤتمر الوطني) تسليمه للمحكمة الدولية؛ معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكًا لسيادة السودان؛ لأنه كان رئيسًا للبلاد والقائد العام السابق للجيش.

 

كما يرفض البعض أن يُحاكم البشير في مدينة لاهاي بهولندا، مقر المحكمة، بعيدًا عن السودان، المتهم بارتكاب الجرائم فيه، لأن ذلك، حسب تقديرهم، يعد خضوعًا للأوربيين.

 

وقال عضو هيئة الدفاع عن البشير، محمد الحسن الأمين، لقناة "الجزيرة مباشر" الثلاثاء، إنهم سيقاومون قضائيًا عملية تسليمه للمحكمة الدولية من خلال المحكمة الدستورية، ويأملون أن تتراجع الحكومة عن موافقتها.

 

ويعول الأمين على الجيش لرفض تسليم البشير، إذ قال إن الجيش كان يقوم بمهامه في دارفور، والمحكمة لن تكتفي بتسليم البشير، بل قد تتطالب بقيادات أخرى موجودة في السلطة.

 

ولا يمكن النظر إلى موقف الجيش بمعزل عن موقف قائده العام، عبد الفتاح البرهان، رئيس "مجلس السيادة".

 

وقال البرهان، في 19 نوفمبر/ تشرين ثاني الماضي، إن البشير لن يُسلم إلى المحكمة الدولية، وإن القضاء السوداني لديه القدرة والاستقلالية لمحاسبة كل شخص داخل السودان.

 

لكنه عاد، في 19 ديسمبر/ كانون أول الماضي، وأقر بأحقية ضحايا دارفور باللجوء إلى المحكمة الجنائية، قائلًا: "إذا عجزنا عن تحقيق العدالة لأهلنا (في دارفور). فلهم الحق أن يطالبوا بتحقيقها في أي مكان آخر يرونه، ونحن ملزمون بتحقيق حقهم".

 

وأعلنت رئيس القضاء السوداني، نعمات عبد الله محمد خير، في 14 نوفمبر/ تشرين ثاني الماضي، أن تسليم البشير "ليس من اختصاص السلطة القضائية" في البلاد.

 

وحتى التوقيع النهائي على اتفاق سلام دارفور في جوبا، وتوضيح آليه تنفيذ القضايا المتفق عليها بين الحكومة والحركات المسلحة في الإقليم، وبينها قضية "العدالة الانتقالية" ومثول البشير أمام المحكمة الدولية، سيكون تسليم البشير مثار جدل سياسي وقضائي.

 

وتواجه السلطة الانتقالية في السودان، بشقيها المدني والعسكري، أزمات سياسية واقتصادية عديدة قد تُعجل بحسم قضية البشير والمحكمة الجنائية الدولية أو تأجيلها.


المصدر: الأناضول