أفيخاي أدرعي: التطبيع بالاستفزاز

تاريخ الإضافة الثلاثاء 13 آذار 2018 - 9:20 م    عدد الزيارات 96    التعليقات 0    القسم أخبار

        


أصوله العراقية / التركية أورثته ملامح شرقية، فلم تنقصه إلا اللغة العربية كي يتسلل إلى آذان متكلمي الـ"ض" فاختار "أفيخاي أدرعي، وهو ابن 18 سنة تخصصًا ينفر منه أترابه، فدرس العربية لكنه أرفقها بدراسة الحاسوب، فاتحًا بذلك طريقًا مهد له بدأب شديد أثناء تدرجه في الرتب العسكرية في جيش الاحتلال، إذ عمل في وحدة 8200 للاستخبارات والتقصي الإلكتروني في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وهو ما أهله لأن يصبح الناطق الرسمي للإعلام العربي. خبرته في التقصي الإلكتروني ولغته العربية ، كان لا بد أن تصقل في الاشتباك مع الجمهور العربي في فضاء التواصل الاجتماعي، فبوجهه الذي يحمل ملامحًا شرقية ولغته العربية التي يشوبها اللحن والتكسير، وبأسلوبه الشبابي، استطاع أدرعي أن يحصد أكثر من مليون متابع من جميع الدول العربية. لكن، هل متابعة صفحات أفيخاي أدرعي، تعتبر ضربًا من التطبيع؟

 

القلنصوة والقبعة


يرتدي "قلنصوة" ويضع القبعة العسكرية على كتفه، مختصرًا مفردات دولته التي يتحدث باسمها، الدين والقوة العسكرية، التي لا ينسى أدرعي أن يمتدحها في كل ما يكتبه على صفحته الشخصية على فيسبوك فهي دولة لا يأتيها الباطل لا من أمامها ولا من خلفها، وهي "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" مثال حسد الأعداء، وقِبلة المشتاقين للحرية. في كل جمعة، يقول لمتابعيه "جمعة مباركة" ثم يمهرها بأسئلة دينية متخصصة، لا ينسى أن يبدي رأيه في الدراما العربية في شهر رمضان المبارك، وينصح متابيعه بسماع آخر آلبوم لـ عمر دياب ويدندن أغانً صباحية لفيروز. ويحرص أن يفتح شهية متابيعه بألذ المؤكلات الفلسطينية والشامية، التي يشدد على أنها إسرائيلية، في عملية سطو جلية على تاريخ المائدة المشرقية.

 

تجسس معلن


تقول وداد عدس، المختصة بعلم الاجتماعي الثقافي، إن موضوع الحكم على التطبيع في الفضاء الإلكتروني أمر غير محسوم وواضح بصورة مطلقة، في حالة التفاعل مع صفحة أفيخاي أدرعي وقد تابعت صفحته لبعض الوقت ورصدت شكل التفاعل معه، غالبية التعليقات التي رصدتها – ولا أملك أو أدعي امتلاك إحصائية لذلك – تأتي في سياق الردّ الذي لا يخلو من حدية على ما يكتبه، وهناك تعليقات تأتي تفنيدًا لكل ما يدعيه، إذ تعكس التعليقات في معظمها مواجهة حقيقة لما يكتبه وتفكيك لمضمونه. هذا ناهيك عن استخدام الشتائم والتعليقات البذيئة في مواجهته.

 

في رأي عدس، هناك فرق بين أن يتم التفاعل مع صفحة أدرعي خاصة أن التفاعل يأتي في إطار المواجهة، لكن التطبيع يحدث عندما يشارك ممثلون عرب مع المتحدث باسم جيش الاحتلال في إحدى المؤتمرات، أو استضافته في برنامج حواري على إحدى الفضائيات، كما حدث مع برنامج "الاتجاه المعاكس" على قناة "الجزيرة" فإن ذلك يعطيه "شرعية" واعترافًا. وتضيف: "من وجهة نظري، أن الشباب العربي المتفاعل مع صفحة أدرعي، وهي صفحة مفروضة على الفضاء الإلكتروني، لا يأتي في إطار الترويج له، لا أستطيع أن أعتبر هذا التفاعل تطبيعًا، إذ أن التعليقات تأتي ضمن إطار الرفض لما هو مطروح، وليس مناقشته". لكن السؤال الأهم وفقًا لعدس هو: "لماذا أسس صفحة على فيسبوك وتويتر؟ أعتقد أن هذه الصفحة لم توجد صدفة أو بطريقة عفوية، فأدرعي يواظب على ارتداء البذة العسكرية، وهو في عمر قريب للفئة الأكثر استخدامًا لوسائط التواصل الاجتماعي. وترى عدس أن: "محتوى الصفحة فاشل، فعلى سبيل المثال رصدت 20 منشور للصفحة وصلت التفاعل معها إلى ألف أو ألف ونصف، معظم التفاعل على شكل وجوه غاضبة أو ضاحكة، وإن حسبنا بصورة تقريبية نسبة هذا التفاعل إلى عدد المتابعين، لن تتعدى الـ 1 في المئة."

 

حائط الشتائم


استمرار الصفحة، وفقًا لعدس، سببه نية أدرعي، الذي عمل في مجال الرصد الإلكتروني، تحليل محتوى التفاعل ورصد اتجاهاته الفكرية والعقائدية، "فجميع الحسابات على فيسبوك تحمل معلومات شخصية يسهل الوصول إليها في حال تابع صفحة أدرعي، وهو ما يعطيهم معلومات وفيرة تساعدهم على وضع قراءة لمعدل العداء تجاه الكيان الصهيوني، الفئة العمرية، تحصيلهم الأكاديمي، مستواهم المعرفي، وجميع ذلك يساعدهم في وضع استراتيجات جديدة للتخاطب والاستقطاب." كما أن الصفحة يتم استخدامها في لحظات إعلامية محددة، للترويج لحرب قادمة، أو استعراض العمليات العسكرية، أو حتى الكشف عن المطبعين النافذين في العالم العربي. ويتفق مع هذا الرأي، الناشط الفلسطيني علاء أبودياب، الذي يصف شخصية أدرعي بأنها "ثقيلة دم" قبل أن يضيف أن ضحكته مستفزة، وغباءه هو من استقطب متابعيه وليس قوة طرحه." ويضيف أبودياب، أن نشاط أدرعي على صفحات التواصل الاجتماعي ما كان ليكون لها هذا الوزن، لولا رغبة متابيعه – في معظمهم- لإيجاد حائط للشتم والتفريغ.

 

 

تطبيع مع سبق الإصرار


في المقابل، يرى زيد الشعيبي، منسق "حركة مقاطعة إسرائيل – BDS" في العالم العربي، أن التفاعل مع صفحة أفيخاي أدرعي تطبيع بكل تأكيد، موضحًا أن "أي تواصل أو تفاعل مع الصهاينة والمتحدثين الإسرائيليين عبر منصات التواصل الاجتماعي، يعد تطبيعًا." كما يلفت الشعيبي الانتباه إلى أن التفاعل الكبير مع صفحة أدرعي، كان له صداه أيضًا في وسائل الإعلام العربية، كان آخره استضافته على فضائية "الجزيرة" متسائلًا: "هل تقبل وسائل الإعلام الغربية استضافة شخصيات نازية أو من ينكر الهولوكوست؟" ويشير منسق حركة "BDS" إلى بيان الحركة الأخير عن موضوع استضافة أدرعي مؤخرًا على "الجزيرة" الذي أكد أن أخلاقيات مهنة الصحافة لا تتسق مع استضافة شخصية تمثل العنصرية والكراهية، وهو أمر لا يجب أن يوضح بأي شكل من الأشكال، ضمن إطار الرأي الآخر، خاصة أن الإعلام الصهيوني يقاطع الشخصيات العربية والإسلامية واليسارية والتقدمية وحتى الشخصيات الفلسطينية، في الوقت الذي يفتح الإعلام العربي المايكروفون لهم.

 

السم في العسل


أما الدكتورة حنان الشيخ، رئيسة قسم الإذاعة والتلفزيون في جامعة "الشرق الأوسط" في العاصمة الأردنية عمّان والمختصة بالاتصال الجماهيري، فتعتقد أن "قدرة أفيخاي أدرعي على استقطاب متابعين له تؤكد على نجاحه في تحويل الرفض الشعبي إلى قبول على مستوى الوجود والنقاش". وتضيف الشيخ: "عمد أفيخاي إلى مجموعة من التكتيكات، منها محاولة التأكيد على المشتركات الجامعة التي يحاول من خلالها الوصول إلى قناعة مفادها: أنا وأنت تجمعنا هموم واحدة، ولذا علينا أن نلتقي وأن نقيم علاقات، وهذا هو الهدف الأهم التي تسعى إليه دولة الإحتلال شعبيًا". كما تضرب الدكتورة حنان مثالًا في تحليل مضمون رسائل التهاني التي يبثها على صفحته في المناسبات الدينية الإسلامية، تكشف عن قدرة فائفة في تمرير رسائل سياسية وثقافية كثيرة داخلها، لم يكن يمكن مطلقًا تمريرها "شعبويًا" دون هذا التكتيك الذي اتبعه أفيخاي أدرعي، وبهذا فإنه يدس السم في العسل، مدغدغًا به مشاعر الجمهور، فتختلط لديهم الأوراق ويتناسون أن محدثهم هو عدوهم."

 

الوصفة الكاملة للتطبيع


في سياق اللغط الدائر بين توصيف التفاعل مع صفحات لشخصيات: "إسرائيلية على الفضاء الإلكتروني بأنه تطبيع من عدمه، أصدر نادي الإعلام الفلسطيني عدة بنود تضع تعريفًا لمفهوم التطبيع في الإعلام الرقمي والاجتماعي: أولًا المتابعة والإعجاب بالمنصات الاجتماعية الإعلامية "الإسرائيلية" على وسائل التواصل الاجتماعي، ومشاركة مضامينها واعتمادها كمصدر للمعلومات سواء كانت هذه المنصات تتبع لمؤسسات أو أفراد. ثانيًا، التفاعل والتعليق على منشورات الصفحات "الإسرائيلية" على مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة الناطقين الإعلاميين لدولة الإحتلال، لأن أي تفاعل - وإن كان سلبيًا- يعني وصوله إلى جمهور أكبر. ثالثًا، تدوال إنتاجات إعلامية ووصلات دعائية "إسرائيلية" بهدف نقل رواية الاحتلال إلى الجمهور. رابعًا، المشاركة في المنتديات الإعلامية والمجموعات الصحفية على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تضم شخصيات "إسرائيلية".

 

صور "نيجاتيف"


ينظّف عدسات نظارته برفق، يضعها على أنفه، يأخذ نفسًا عميًا ويرسم على وجهه ابتسامة، يفتح حسابه على فيسبوك ويبدأ عمله الدؤوب والمحبب إلى قلبه، ما هو أجمل من أن يشحذ أكثر الكلمات استفزازًا؟ أليس للكلام مفعول الطلقة النارية إن أصبت التسديد؟ يبث صورًا لمجندين ومجندات في جيش الإحتلال، مددجين بأعتى الأسلحة وأكثرها حداثة مثل حداثة سنهم، لكنه ينسى أن يصور وجوه من توجه لهم البنادق الآلية الحديثة، وجوه متحدرة من أسلاف دمرت قراهم بالكامل، وجوه تنتظر دورها ساعات طويلة لتلقي علاج في إحدى المشافي، فيما يفكر المجند على الحاجز في عبورهم أم لا ، وفقًا لمزاجه. وجوه الأطفال الطرية، وهم يتسلقون جدار الفصل العنصري وكأنها رياضة صباحية، وجوه لم تنهكها التجاعيد بقدر ما أنهكها الهم، وهي تراقب تهدم منازلها واقتلاع أشجارها. صور "نيجاتيف" لا تلتقطها عدسة حساب أدرعي ولا تغريداته الزرقاء، صور لا يراها أبدًا، رغم ارتداءه النظارة الطبية لتصحيح البصر.


المصدر: Vice