المشروع الوطني يستنكر إجراءات المساءلة والعدالة ويحمّل البرلمان المسؤولية

تاريخ الإضافة الأحد 11 آذار 2018 - 11:13 ص    عدد الزيارات 4645    التعليقات 0    القسم العراق

        




في سياق الحديث الفاقد للبوصلة عن ترتيبات مرحلة ما بعد داعش، وفي إطار الصخب العالي حول خرافة المصالحة الوطنية، هناك ارادة حقيقية لتكريس السياسات المنهجية للانتقام والكراهية التي حكمت العراق من العام 1958. ويأتي القانون رقم 72 الذي أصدره مجلس النواب العراقي، ودخل حيز التنفيذ في 18 أيلول/سبتمبر 2017 في هذا السياق. فهذا القانون الذي أخذ عنوان: "قانون حجز ومصادرة الاموال المنقولة وغير المنقولة العائدة إلى أركان النظام السابق"، والذي أعاد صياغة القرارين رقم 76 و88 اللذين أصدرهما مجلس الحكم الذي شكلته سلطة الاحتلال في العراق عام 2003، يكشف أن الذهنية الثأرية التي تتبناها الطبقة السياسية العراقية لم تتغير بعد أكثر من 15 عاما فاصلة بين التأريخين! 

فقد عد المشروع الوطني العراقي اجراءات هيئة المساءلة والعدالة حول حجز ومصادرة املاك العراقيين، تراجعا جوهريا في خطوات المصالحة الوطنية، معتبرا تلك الاجراءات انتصارا للتطرف وعدم احترام اسس التعايش والمواطنة العادلة. 

وقال المشروع الوطني العراقي في بيان له نشر على مواقع التواصل الإجتماعي الفيس بوك، واطلعت عليه INP+، ان اجراءات هيئة المساءلة والعدالة التي طالت الآلاف من العراقيين، بنيت على اساس سياسي بحت، بطريقة لا تتفق مع اي منطق للعدالة، واستندت الى تشريع قانوني من مجلس النواب

وقال المشروع ان الإصرار على تجريم وحرمان اغلب الذين وردت اسماؤهم في اجراءات هيئة المساءلة والعدالة من حقوقهم المدنية، على الرغم من عدم وجود اي اثبات قضائي ضدهم، يمثل فشلا للدولة ونظامها التشريعي والقضائي.

واكد المشروع الوطني على وجوب تفعيل النظام القضائي، قائلا: إنّ "استمرار السلطة التشريعية المتمثلة بمجلس النواب يجعل العراق بلدا لا يأمن فيه الناس على حقوقهم وممتلكاتهم"، مضيفًا، بأنّ "عدم إيمان الناس بتأمين مستقبل لأطفالهم يجعل السلطة رهنا لأجندات سياسية على حساب مصلحة الوطن ومستقبل التعايش السلمي".

وطالب المشروع الوطني العراقي مجلس النواب بالتعامل بجدّية وتحمّل المسؤولية من أجل إعادة تقييم الموقف من قانون هيئة المساءلة والعدالة، قائلا: إنّ "المشروع الوطني العراقي يطالب بوقفة جادة ومسؤولة لإعادة النظر بهذا القانون الذي سمح بإصدار هذه القرارات والقوائم لاستعادة هيبة القانون وسمعة الدولة"، مشيرا إلى، أنه "بأمكان الجهات المعنية ومنها البرلمان الإدعاء لدى القضاء على من يشاء لإثبات جرمه ضد الشعب أو إثرائه من المال العام، وحينها سيكون قرار القضاء سيفا على رقاب الجميع يشفي الصدور ويحقّق العدل وينصف الشعب".


ويأتي هذا بعد ثلاثة أشهر تقريبا من تشكيل مجلس الحكم (والذي تشكل بموجب اللائحة التنظيمية الذي أصدرها بريمر بالرقم 6 في 13 تموز/يوليو 2003)، أصدر المجلس القرار الرقم 76 بتاريخ 28 تشرين الأول/اكتوبر 2003 والذي قضى بمصادرة "الاموال المنقولة وغير المنقولة لرموز النظام البائد ولصالح خزينة الدولة"، شمل القرار رأس النظام وأفراد عائلته حتى الدرجة الثانية، وكل من يثبت تعديه على الاموال العامة من عائلته! وقد بلغ عدد المشمولين بهذه المصادرة 84 شخصا نشرت أسماؤهم في ملحق خاص بالقرار. فضلا عن ذلك تضمن القرار مصادرة الاموال المنقولة وغير المنقولة للمحافظين وقادة الفرق العسكرية وقادة الأجهزة الأمنية الأخرى بدرجة عميد او مدير فما فوق "ممن يثبت امتلاكه للأموال بطريقة غير شرعية"! وكان من الواضح ان فقرات: "من يثبت تعديه على الاموال العامة"، و"امتلاك الاموال بطريقة غير شرعية" لم يتم مراعاتها مطلقا، وأنها كانت نتاج التدخل الامريكي لإضفاء نوع من الشرعية على القرار. 

بعد أيام أصدر المجلس نفسه قرارا ثانيا بالرقم 88، صدر في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2003 جاء بعنوان: حجز الأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة إلى المسؤولين في النظام السابق وكبار أعضاء حزب البعث المنحل والأجهزة الأمنية وزوجاتهم واولادهم وأقاربهم ووكلائهم! من دون الإشارة إلى أية أسماء محددة هذه المرة، هذه الصيغة الشمولية المتعمدة استخدمت سياسيا لتنفيذ حملة شملت عشرات الآلاف! فمراجعة الأرقام التي أعلنتها اللجنة الوزارية المكلفة بمتابعة تنفيذ قرار مجلس الوزراء رقم 22 لسنة 2013 الخاص برفع الحجز عن بعض هذه العقارات المحجوزة، كشف عن تسلم اللجنة 28422 طلبا بعض المشمولين برفع الحجز حتى نهاية العام 2014! 

بموجب القانون الجديد كانت هناك قائمة ضمت أولا صدام حسين وأولاده وأحفاده وأقرباءه حتى الدرجة الثانية ووكلاءهم ممن اجروا نقل ملكية أموال تعود لهم، فضلا عن 52 شخصا آخرين مشمولين بمصادرة اموالهم المنقولة وغير المنقولة، ولكن القانون أعطى لهؤلاء حق الاعتراض أمام لجنة وزارية، ثم حق الطعن أمام القضاء، لإثبات أن الأموال المنقولة او غير المنقولة المصادرة لم تكن بسبب تولي المنصب وأنها أموال حصلوا عليها بصورة شرعية. كما ان القانون كان انسانيا إلى حد بعيد عندما اتاح لورثة أي من المشمولين بالمصادرة، من دون عائلة صدام حسين الممتدة طبعا، حق الإبقاء على المنزل الذي يسكنون فيه بعد "دفع البدل المالي بالسعر الحالي"، أي شراء منزلهم نفسه من الدولة! وهو إجراء لم يتخذه حتى النظام الذي ينتقمون منه والذي كان يسمح للعائلة المصادرة اموالهم بالإبقاء على سكنهم والأثاث المنزلية الضرورية (قرار مجلس قيادة الثورة رقم 220 لسنة 1991)! 

وبموجب القانون الجديد أيضا، تم حجز الأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة إلى "المحافظين ومن كان بدرجة عضو فرع فما فوق في حزب البعث المنحل، ومن كان بدرجة عميد فما فوق في الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الأمن الخاص، الاستخبارات، الامن العام، فدائيو صدام)، ومن كان في منصب مدير أمن المحافظات والأقضية ومدراء الأقسام التحقيقية في هذه الاجهزة الامنية". وسمح لهؤلاء بطلب رفع الحجز أمام لجنة وزارية مختصة، على أن تحسم هذه اللجنة البت في الطلب خلال مدة سنتين، وبعكسه تحال الملفات غير المنجزة إلى القضاء للبت فيها! واعطى القانون أيضا لهؤلاء حق الطعن على قرارات اللجنة الوزارية أمام القضاء.

وقد ألزم القانون هيئة المساءلة والعدالة بإعداد قوائم تفصيلية بأسماء هذه الفئة خلال مدة 90 يوما من تاريخ نفاذ القرار، أي قبل تاريخ 18 كانون الاول/يناير 2018 (نشر القانون في الجريدة الرسمية ودخل حيز النفاذ في 18 أيلول/سبتمبر 2017). ولكن الهيئة لم تصدر قوائمها إلا في 5 آذار/مارس 2018، أي بعد 47 يوما من الموعد القانوني، وبالتأكيد لا يمكن فهم هذا الانتهاك لأحكام القانون إلا في إطار السياق الانتخابي ومحاولة "البعض" استغلال صدور هذه القوائم شعبويا!

وكالعادة لا يمكن ان يصدر قانون في العراق من دون مفارقة ما! فقد نص القانون على أنه "في حالة تنفيذ أحكام المصادرة قبل نفاذ هذا القانون، او تمليكه بموجب قانون فيقتصر الاعتراض على التعويض النقدي" بالنسبة للمالك الأصلي، اما بالنسبة للدولة فقد عد القانون "كافة التصرفات على العقارات التي تمت مصادرتها وفق القرار 76 والتي ألحقت بالدولة غبنا فاحشا غير نافذة وتعاد الحال إلى ما قبل تلك التصرفات"! أي أن القانون يلغي أي تصرف بالعقارات المصادرة ولكنه لا يعيدها إلى أصحابها! وهذه المواد تكرس منهجية "التمييز" لأسباب سياسية لدى المشرع العراقي، فبالعودة إلى قانون هيئة دعاوى الملكية رقم 13 لسنة 2010 الذي كان يتعلق بالعقارات المصادرة والمحجوزة في زمن النظام السابق. فهذا القانون حصر التعويض النقدي في حالة العقارات المصادرة والمستخدمة لأغراض النفع العام او لأغراض خيرية، اما في الحالات الأخرى فقد قرر "إعادة الملكية إلى مالكها الأصلي" في حالة عدم التصرف بها، اما في حالة ما إذا كان العقار قد تم بيعه للغير ولم تجر عليه تغييرات جوهرية فأعطى القانون للجنة المختصة اتباع خيارين: إعادة العقار للمالك الأصلي وتعويض المالك الاخير، أو احتفاظ المالك الأخير بالعقار وتعويض المالك الأصلي! أما في حالة وجود تغييرات جوهرية على العقار المصادر فللجنة المختصة اتباع خيارين: اعادة العقار للمالك الأصلي وتعويض المالك الأخير، أو احتفاظ المالك الأخير بالعقار وتعويض المالك الأصلي! أي أن المشرع العراقي يعترف بمواطنين درجة اولى ممن صودرت أموالهم قبل 2003 يجب ان تعاد لهم عقاراتهم المصادرة او المحجوزة إذا كانت ما زالت بحوزة الدولة، أو أن يكون لهم خيار استعادة أملاكهم او التعويض عنها في حالة التصرف بتلك العقارات! في الوقت نفسه يعترف المشرع بوجود مواطنين درجة ثانية ممن صودرت أموالهم بعد 2003 وهؤلاء ليس من حقهم سوى الحصول على التعويض النقدي على الرغم من ان جميع تلك العقارات المصادرة عادت للدولة بموجب القانون نفسه! 

بعيدا عن الذهنية الانتقامية، ومنطق العقوبات الجماعية، الذي حكمت القانون! وبعيدا أيضا عن انتهاك القانون لأحكام الدستور العراقي التي قررت أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة عادلة، عندما تعامل القانون مع المصادرة والمحجوزة اموالهم على انهم مدانون حتى تثبت براءتهم! وبعيدا عن مخالفة القانون لما ورد في وثيقة تشكيل حكومة السيد العبادي التي تحدثت عن "حسم ومعالجة ملف المساءلة والعدالة وعدم تسييسه والعمل عل تحويله إلى ملف قضائي"، وعن "معالجة قراري 76 و88 الصادرين عن سلطة الاحتلال"، والتي عدها البرنامج الحكومي مبادئ أساسية ملزمة! فان هذا القانون يستعيد الممارسات نفسها التي كان يعتمدها النظام السابق فيما يتعلق بمصادرة وحجز ممتلكات خصومه، فتبعا لأرقام وزارة المالية العراقية فقد بلغ عدد الأشخاص المصادرة أموالهم بين عامي 1979 و2003، أي خلال 24 عاما (33885) شخصا (الغالبية العظمى لأسباب سياسية)! وهو رقم يقل عمليا عن رقم الأشخاص المصادرة او المحجوزة اموالهم بين عامي 2003 و2018، أي خلال 15 عاما! وفارق السنوات الثماني سيعطي للنظام الديمقراطي الحالي فرصة كبيرة للفوز بجدارة في سباق الكراهية والانتقام هذا!


المصدر: +INP + القدس العربي