هل سننجو من الصدمة الجماعية التي تواجهنا في كورونا؟

تاريخ الإضافة الأربعاء 13 أيار 2020 - 6:07 ص    عدد الزيارات 291    التعليقات 0     القسم منوع

        


وردة بوضاهر

أخصائية نفسية لبنانية

كثيرون يناقشون فكرة أن هذه الجائحة علمتهم درساً في الحياة بأن يقدروا النعم الممنوحة لهم وأن يزدادوا قوة. فهل هذه استجابة ممكنة للصدمة؟

 

تشير الأبحاث الوبائية التي أجريت على حالات إصابة بالإنفلونزا والإيبولا إلى أن الأوبئة لا تؤثر في الصحة البدنية فحسب، بل أيضاً في الصحة النفسية.

 

أصاب “كورونا” حتى اليوم أكثر من 3 ملايين شخص حول العالم. وبسببه، يشعر كل إنسان تقريباً على وجه البسيطة بالقلق والخوف من أن يكون الضحية التالية لهذا الوباء، أو أن يفقد أحد أحبائه بسببه. لقد أثر الفايروس في البشر في شتى أنحاء العالم على حد سواء بصرف النظر عن الجنسية أو العرق أو الدين أو الحالة الاقتصادية أو المستوى التعليمي أو العمر. وأُثيرت نقاشات بشأن مدى التأثير الصادم لهذا الوباء، فضلاً عن الآثار على المدى القريب والبعيد لحالة الإغلاق أو الحجر العام.

 

الصدمة -وفقاً لتعريفها- هي ضرر يصيب العقل نتيجة حدث أو سلسلة من الأحداث المأساوية التي قد تسبب أذى بدنياً أو عاطفياً أو قد تهدد حياة الفرد.

 

ثمة مفهوم عظيم علمت به خلال دراساتي عن الصدمة: نمو ما بعد الصدمة. ويمكن تبسيطه في عبارة نعرفها جميعاً: “الضربة التي لا تقتلك، تقويك”. يعرِّف الباحثون نمو ما بعد الصدمة بأنه تطور بسبب حدث صادم ومن ثم يشهد الشخص تغيراً إيجابياً ونمواً يعقب الحدث

 

تقول تونينا كرم، موظفة في مركز تجاري، لـ”درج”: “لم أتمنَ قط أن تمتد ساعات العمل بلا نهاية كما أتمنى الآن. أنا لا أريد العودة إلى المنزل لأنني أعرف أنه ربما أصطحب الفايروس معي إلى أسرتي”.

 

يبدو أن الجنس البشري بأكمله يعاني من صدمة جماعية، إذ ينتاب القلق من الموت -سواء موت الشخص نفسه أو موت أحبائه- أعداداً مهولة من البشر في الوقت نفسه. والسبب في ذلك فايروس لا سبيل إلى مواجهته إلا الحذر الشديد، وخط دفاعنا الأول والوحيد في هذه اللحظة هو تجنب الاتصال بين البشر، إذ لم ننجح حتى الآن في اكتشاف علاج أو لقاح له.

 

الفئات المستضعفة والصدمة

تهدف الرعاية المستنيرة بالصدمة إلى فهم استجابات المرضى لها. لا يستجيب الأفراد للحادث الصادم نفسه بالطريقة ذاتها، إذ تؤثر مهارات التأقلم والمرونة والدعم المجتمعي والتجارب السابقة وغيرها من العوامل في رد فعل الشخص.

 

تشمل الآثار الطفيفة قصيرة المدى للصدمة، الحزن والارتباك والانفصال النفسي والإجهاد والقلق. وهناك أيضاً أعراض بعيدة المدى مثل اضطرابات النوم والخوف من تكرار الحادث الصادم وتجنب المشاعر واسترجاع الذكريات المؤلمة.

 

ومن الجدير بالذكر أن آثار الصدمة لا تتعلق دوماً بالخوف من العدوى بالفايروس، بل هناك آثار نفسية هائلة تنتج عن عوامل اجتماعية أخرى متعددة.

 

تقول القابلة فرح قنج لـ”درج”: “النساء الحوامل اللاتي يحتجن إلى الدعم في وقت المخاض، يضطررن الآن إلى تمضية هذا الوقت كله بمفردهن نظراً للقيود الجديدة المفروضة في المستشفيات، الأمر الذي قد يؤدي إلى آثار بعيدة المدى على صحة المرأة النفسية”.

 

منذ ظهور الفايروس ونحن نشهد تزايداً في التمييز ضد الأشخاص الذين أصيبوا به أو يُحتمل أن يكونوا قد أصيبوا به. وفي لبنان، انتشرت أخبار عن أن شخصاً صينياً أفصح عن أن الناس في الشوارع يطلقون عليه اسم “كورونا”، مع العلم أنه مقيم في لبنان منذ أكثر من عام، وللأسف هذه ليست الحالة الوحيدة. فقد تعرض كثيرون للتشهير والوصم بسبب “كورونا”. وثمة آثار نفسية متعددة للوصم، منها الاكتئاب والقلق والشعور بالرفض والنبذ والوحدة.

 

كما أن الذين كانوا يعانون من صعوبات نفسية قبل حالة الإغلاق، يواجهون الآن صعوبات أكثر من غيرهم في الصمود.

 

 

العنف والوحدة

أظهرت دراسات ارتفاعاً في حالات العنف المنزلي حول العالم. ويؤثر العنف بكل تأكيد تأثيراً بالغاً في الصحة النفسية لأي شخص، نظراً إلى أنه تجربة مؤلمة في حد ذاته. خلال هذا الإغلاق، اضطر كثر (لا سيما النساء) إلى البقاء في المنزل لوقت طويل مع أشخاص عنيفين، وها هم يعيشون في ظل أزمتين ورعبين في الوقت ذاته، “كورونا” والجلوس مع معنّف طوال النهار في منزل واحد.

 

أما كبار السن الذين دأبت وسائل الإعلام على التنبيه من خطر إصابتهم التي قد تؤدي إلى الوفاة، فهؤلاء ربما كانوا يشعرون فعلياً بالوحدة قبل الجائحة، إنما واجهتهم الآن حقيقتان قاسيتان: أوّلاً أنهم يواجهون خطراً كبيراً ومحدقاً بأن يموتوا إذا أصيبوا بالفايروس. وثانياً، أن عليهم المكوث في المنزل وحيدين، وفي الغالب بعيداً من أبناء الأسرة الآخرين، للاحتماء من “كورونا”.

 

كما تمتد قائمة الاضطرابات العقلية المفرطة لتتضمن كل طفل وكل بالغ كان يعاني من اضطرابات نفسية، مثل التوحد واضطراب الوسواس القهري وأنواع الرهاب والقلق والحالات النفسية الأخرى.

 

التكيف مع كوفيد-19

 

مع أن اضطراب الكرب التالي للرضح (PTSD) يُعترف به على نطاق واسع على أنه نوع من الصدمة، إلا أنه ليس النتيجة الوحيدة للحدث صادم. وفي واقع الأمر، يُشفى الناس غالباً من اضطراب PTSD إذا حصلوا على دعم جيد من أحبائهم، مثل الأصدقاء والأسرة. ويُرجح أن تتطور لدى آخرين مشكلات عقلية. إن اضطراب الكرب التالي للرضح، ليس سوى عنصر واحد فقط من قائمة الصدمات، التي تتضمن الاكتئاب والقلق، ما قد يؤدي في نهاية المطاف في حالات كثيرة إلى تعاطي المخدرات مثلاً.

 

ومع ذلك، يبدو أن كثيرين يخططون لما سوف يفعلونه أولاً عندما ينتهي الإغلاق. يريد بعضهم السفر، ويريد آخرون ارتياد ملاهٍ ليلية، فيما لا يريد آخرون إلا الخروج ومعانقة كل شخص يعرفونه وتقبيله. فهل هذه هي أول الأشياء التي سوف تحدث؟

 

كانت عبارة: “لا أعتقد أنني سأستطيع الاقتراب من الأشخاص مرة أخرى في أي وقت قريب”، هي العبارة التي لطالما سمعت الناس يتمتمون بها عندما يتناقشون حول “كوفيد-19”.

 

إننا نتكيف حالياً بسبب هذا الفايروس مع حقيقة أن الاحتكاك البشري يرتبط بالخطر، ونتعلم أنه عندما يقترب شخص ما منا (محفز الاستجابة)، يجب أن تكون استجابتنا الابتعاد إلى الوراء. نشهد حدوث مثل هذه السيناريوات في السوق أو الصيدليات أو الأماكن الأخرى، التي نصادف فيها آخرين في المجال العام، إذ إن غسيل الأيدي، ورش الكحول، والمحافظة على التباعد الجسماني، تصير عادات كثيرين. وسوف تستغرق عملية نبذ هذه العادات بعض الوقت، حتى بعد إبلاغنا بأن هذه الجائحة انتهت.

 

آثار إيجابية ناجمة عن الصدمة

 

كان كثيرون يناقشون فكرة أن هذه الجائحة علمتهم درساً في الحياة بأن يقدروا النعم الممنوحة لهم وأن يزدادوا قوة. فهل هذه استجابة ممكنة للصدمة؟

 

ثمة مفهوم عظيم علمت به خلال دراساتي عن الصدمة: نمو ما بعد الصدمة. ويمكن تبسيطه في عبارة نعرفها جميعاً: “الضربة التي لا تقتلك، تقويك”. يعرِّف الباحثون نمو ما بعد الصدمة بأنه تطور بسبب حدث صادم ومن ثم يشهد الشخص تغيراً إيجابياً ونمواً يعقب الحدث

 

ولا شكّ في أن هناك من سيخرج من هذه الصدمة بقوة أكبر، ومرونة أكبر، وإنجازات أكبر.

 

بيد أنه من الأهمية بمكان ألا نقوض آثار الصدمة باسم الدعم وباسم نمو ما بعد الصدمة. وسباق الإنتاجية الذي ينتشر في منصات التواصل الاجتماعي يمكن أن يؤثر تأثيراً بالغاً في كثيرين. يستجيب الأشخاص للصدمة استجابات مختلفة، ونحتاج أن نعترف بهذا لنتمكن من دعم بعضنا بعضاً للخروج من هذه الجائحة بأقل قدر من الأضرار الجانبية.

 

ولا يمكن أن نفعل هذا إلا من طريق دعم بعضنا بعضاً والعمل على تطوير برامج المتخصصين التي يمكن أن يصل أي شخص إليها عند الحاجة.


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.