على الحدود العراقية الإيرانية .. حفريات أثرية وحقول ألغام بكل ما تحملها الكلمة من معنى

تاريخ الإضافة السبت 25 تشرين الثاني 2017 - 4:49 م    عدد الزيارات 654    التعليقات 0     القسم سياسي

        


ماري شيبرسون

صحيفة الغارديان

إنّ علم آثار الصراعات الحديثة، ودراسة صراعات القرنين الـ 20 وال21، هو مجال جديد، ونوعا ما مزعج في عالم علم الآثار. إنه معقد من عدة جوانب. أولا، إنّ القليل منه ينطوي على مايعترف به معظم الناس كعلم للآثار- حفر وتنقبيب عن المواد الحضارية من الأرض للدراسة. وإنّ معظم مواد تراث الصراعات الحديثة تظل ظاهرة على الأرض ومغروسة في المجتمع، محتمة اتباع نهج أكثر انثروبولوجية ومتعدد التخصصات. الامر الثاني، ان الفترات الزمنية قيد الدراسة تنبقى غالبا تحت الذاكرة الحية، وتبقى مثيرة للجدال بشكل كبيرداخل المناطق المتضررة. وهذا يعني ان علم اثار الصراعات الحديثة ممكن ان يكون حقل الغام سياسي فضلا عن كونه حقل الغام حقيقي.          

 

إني أعمل في الوقت الحالي في مدينة البصرة، جنوب العراق، على مشروع مدينة الاسكندرية التي بناها الاسكندر المقدوني قبل الفي سنة، في 324 ق.م. فقبل 30 سنة ماضية، كان هذا الموقع - مدينة الاسكندرية الاثرية-  مأوى للالاف من الجنود العراقيين. لقد كانت الحرب العراقية-الايرانية تسير نحو نهايتها، فكلا الطرفين انهكا من موجات الهجمات التي جعلت العام 1987 الاكثر دموية في الحرب. حيث ادى ذلك الى حصار البصرة مزهقا بذلك ارواح مالايقل عن 60.000 جندي ايراني ، و20.000 جندي عراقي.

 

لم تكن الاسكندرية الموقع الاثري الوحيد الذي تم اعادة احتلاله خلال صراع الثماني سنوات. فالمنطقة الحدودية بين العراق وايران حبلى بالاثار، وان المواقع الاثرية غالبا ما اتكون مواقع دفاعية ممتازة- حيث يتم تكوين سدود ترابية يمكن حفرها على الاراضي المرتفعة. ففي شرقي العراق يكاد لا يكون هنالك تل الا وتوجد عليه بقايا مدفعية او موضع مراقبة محفور على قمته. لقد كانت اسوار مدينة الاسكندرية القديمة ضخمة وعظيمة والتي ادت الى دمج الموقع في الخطوط الدفاعية العراقية شمال البصرة.    

 

تقف الاسوار الطينية- في شمال وشرق مدينة الاسكندرية، الاتجهات التي غالبا ما كانت تأتي الهجمات الايرانية من خلالها- على ارتفاع يبلغ 8 امتار فوق مستوى السهل الرسوبي المنبسط، وعلى امتداد يبلغ 3.5 كم تقريبا. وعندما وصل الجيش العراقي، اعاد المنهدسون تحصين مدينة الاسكندرية بشكل يتلائم مع الحرب الحديثة. فقد تم ثقب مالايقل عن 45 هوة في الجزء العلوي من الجدران القديمة، مع تكوين سلالم من الحطام والانقاض في داخل السور بحيث تصبح الدبابات والمدفعية قادرة على الاندماج مع الاسوار. وتم حشر مواقع لكتيبة المشاة في الطابوق على طول امتداد قمة الجدران القديمة، وتم توصيله بخنادق تدار من خلفهم على طول المنحدر الخلفي. لا يزال هنالك مالايقل عن 199 من تلك الخنادق الدفاعية بارزة للعيان من على قمة تلك الاسوار، اذ يكفي الخندق الواحد لرجلين او اربعة. وفي بعض المناطق فان بقايا اكياس الرمل - استخدمت كسواتر ترابية للحماية- لاتزال يمكن رؤيتها تطفو من التراسيب الطينية.        

         

إنّ التحولات التي طرأت على الجدار هي التذكير الاكثر وضوحا للحرب التي حدثت في الاسكندرية، لكن التاثير الاكبر على الموقع الاثري كان بسبب الحركات والعمليات داخل الجدران التي دمرت بنايات المدينة تحت السطح الخارجي مباشرة. حيث استخدم الجيش من الجهة الامامية للجدران وخلفها جرافات لتكوين سواتر ترابية، بالاضافة الى حفر خنادق اضافية، و حفر تخزين للمعدات والذخيرة.ان المئات من المركبات والدبابات وناقلات الوقود وشاحنات المؤن والذخيرة كانت تتموضع خلف وحوالي جدران مدينة الاسكندرية. حيث كانت كل واحدة من تلك المعدات محمية بواسطة ركام الرواسب الاثرية، والتي عادة ما تكون مكدسة على شكل حدوة حصان لإعطاء الحماية على ثلاثة جوانب والهروب عبر الرابعة. لقد قمت بعد 212 موقع للمركبات ضمن نظاق 5 كم من مساحة المدينة القديمة، من غير العديد من المواقع الكثيرة والتي يمكن رؤيتها مباشرة خارج اسوار المدينة.        

 

وكما قد يكون متوقعا من مثل هكذا احتلال كبير للمشهد، فانه لا تزال هناك كمية كبيرة من المواد العسكرية على السطح، على الرغم من أن هذا يختفي بسرعة في البيئة القاسية في جنوب العراق. الشظايا المعدنية منتشرة في كل مكان، والتي لايمكن تحديد هوية معظمها، وهنالك اجزاء كبيرة من المركبات متجمعة، حيث تركت مركبات نقل الجند والشاحنات لتتاكل وتتحلل. بالاضافة الى رصاصات نحاسية خضراء متأكلة وصدءة مختلطة بعملات ساسانية واشكانية قديمة. وهنالك بعض الاشياء الشخصية كشواهد على الحرب، فاحيانا  خوذة، ازرار، الرمز البريدي في معطف،جورب لاحد عناصر الجيش العراقي، وبعض البقايا الصغيرة لجنود قاتلوا هنا لسنوات طويلة.. انها سنوات صعبة.

 

يتذكر السيدعلي وهيب عبدالعباس، حارس في الموقع ويساعدنا حاليا في مهمتنا استكشاف علم طبيعة الارض في المنطقة، الحرب في مدينة الاسكندرية. فقد تم تجنيده في الجيش بعمر ال18 وقاتل في القاطع الشمالي بالقرب من مدينة حلبجة قبل ان يتم نقله الى القاطع الجنوبي في المراحل الاخيرة من الحرب. اخبرني السيد علي وهيب ان مهندسي الجيش وصلوا الموقع في العام 1984 وقطعوا الجدران القديمة وحفروا خنادقهم. حيث تم اجلاء السكان المحلين القرويين الى الضواحي القريبة  بعدما تموضع المئات من القوات والدبابات في الموقع. 

 

ويقول السيد علي وهيب ان الايرانيين لم يصلوا تماما الى مدينة الاسكندرية، فقد تم ايقافهم في عند حقل مجنون النفطي على بعد كم واحد من الموقع، وهو اقصى ماوصلوا اليه في اشرس هجماتهم في العام 1987. ومع ذلك فان مدينة الاسكندرية تحمل  ندبا عميقة نتيجة الصراع. 

 

يبقي سجل الحرب العراقية الايرانية في هذا الموقع والمناطق المحيطة صورا جزئية من المسح الاثري الذي نقوم به، واحد المهام التي انا سعيد بالعمل بها. وبشكل عام فان الإرث العسكري في مدينة الاسكندرية يمثل مرحلة هامة من الاحتلال في الموقع، بالاضافة الى كونه السجل المادي للأحداث التاريخية الهامة التي كان لها تأثير عميق على العراق والمنطقة برمتها. 

 

اننا عندما ننظر إلى النشاط العسكري في المواقع الأثرية، وخاصة تلك المتعلقة بالصراعات الأخيرة والمستمرة في العراق وسوريا، غالبا ما يتم رثاؤها كونها فاجعة على السجل الأثري. في حين أن استخدام المواقع الأثرية كمواقع عسكرية هو جانب مؤسف من الحرب، فانه من المهم أن نتذكر أن هذه الأنشطة هي أيضا سجل من الأحداث التاريخية والسياسية الهامة في المشهد الذي لا يزال يشكله الاحتلال البشري. 

 

المصدر: الغارديان


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.