هل السعوديّات مراهقات أبديّات؟!

تاريخ الإضافة الإثنين 13 آب 2018 - 12:10 م    عدد الزيارات 1187    التعليقات 0     القسم سياسي

        


فاطمة العيساوي

باحثة لبنانية

من هي هدّو؟ هل هي حقيقة أم شخصية مفبركة؟ هل سُجنت حقًا في غرفةٍ، حيث تعرّضت للتعذيب سنواتٍ، كما جاء في الشريط الذي تم تداوله في الإنترنت؟ هل هي الكاتبة والمدوّنة السعودية، هديل الحضيف، التي توفيت قبل أعوام نتيجة سكتة دماغية؟ من هو ناشر الفيديو الذي اكتشف الغرفة؟ ولماذا اختار أن يزور المكان في هذا الوقت، وينشر الفيديو؟ ما حل بسجينة الغرفة إذا ما كانت أصلًا حقيقة؟ 

"كانت تقطن في الغرفة المدعوة هدّو".. كلمات كُتبت عل جدار الغرفة التي صورها الشريط. يثير لغز الشريط أسئلة كثيرة بشأن شخصية السجينة، إلا أنّ التحرّي عن شخص هدّو لا يجلب جديدًا في القضية. قد تكون المدعوّة هدّو أو غيرها. لا فرق. فتح الشريط الباب أمام عشرات الشهادات من نساءٍ تعرّضن للعقاب بالسجن، بعدما خرجن عن طاعة الولي. روت هؤلاء، وهن محظوظات، كيف تحايلن على سجنهن، في حين روت أخريات أخبار العثور المفاجئ على سجينات في حالةٍ مزريةٍ في أقبية، أو غرف ضيقة، عقابًا لهن على سوء السلوك. علق رجال بـ"تهنئة" العائلة على حسن التربية، لعل السجينة تكون درسًا للمتهاونات. تحدّث آخرون عن حالة هدّو أنّها معروفة، وأنّ صراخها كان يتناهى لهم في ساعات متأخرة من الليل، وكأنّ مقاربة معاناة من هذا الوزن من دون تدخل أمر طبيعي: إذا قرّرت العائلة قبر إحدى بناتها عقابًا لها فلا حول ولا قوة.

حول نظام الوصاية السعودي النساء لا إلى مراهقات أبديات، كما تقول الحملة المطالبة بإلغاء هذا النسق، بل إلى مجرّد أغراض منزوعة الإنسانية، بإمكان العائلة والمجتمع الأوسع إغلاق الحياة في وجهها، أو حتى إتلافها إذا ما لزم الأمر. حقّقت الحملة المطالبة بإلغاء النظام، بدءًا بالحق في القيادة، إنجازًا في إخراج حالة "النساء الأغراض" إلى العلن، فباتت رواية حرمانهن من حقوقهن الأبسط عنوانًا بارزًا للصحافة الأجنبية. خرجت إلى العلن روايات الموت البطيء المروّعة للنساء المعنفات، والأهم منها قصص المغامرات في تحدّي النظام للعبور إلى الحرية. شابات غامرن بحياتهن، لاستعادة إنسانيتهن في أجمل فصول التحولات الاجتماعية التي جلبتها موجات الربيع العربي. 

حاولت الشابة دينا علي السلوم، في العام 2017، الهروب من عائلتها، للفرار من زواج مدبّر، وأوقفت في مانيلا في طريقها إلى أستراليا، حيث كانت تسعى إلى طلب اللجوء. تقول دينا في شريط "يوتيوب" صورته بعد القبض عليها، مناشدة المساعدة: ساعدوني، لأنّ أهلي سيقتلونني، إذا سُلّمت إليهم. تمكّنت دينا من نشر الشريط، قبل وصول أخوالها، حيث تمت إعادتها مكبلة إلى الرياض. نقل عن شهود أنّ أخوالها عمدوا إلى تكميم فمها، وتغطيتها برداء، بعد أن وضعت بالقوة على متن الطائرة. أين دينا اليوم؟ اختفت؟ سُجنت؟ قُتلت؟ لا جواب. في الفترة نفسها، حاولت مريم العتيبي الفرار من عائلتها، هربًا من عنف أخيها، إلى الرياض، حيث عثرت على فرصة عمل، إلى أن ألقت القبض عليها شرطة المدينة، بحجة تلقي بلاغ ضدها بمحاولة الهرب قدّمه والدها. تروي الناشطة الحقوقية، منال الشريف، عن قضية مريم إنّه تم القبض عليها في مكان عملها، وتفتيش مكان إقامتها، ومصادرة أغراضها قبل سوقها إلى السجن، ثم إعادتها إلى عائلتها. قبل مغامرة الهرب، حوّلت مريم العنف الذي هي ضحيته إلى قضية عامة، عبر تدوينات في "تويتر". تحول حسابها على "تويتر" إلى موقع نقاش لوضع النساء السعوديات. سبّب إخراج قضيتها إلى العلن سجنها في قضية "عقوق" تقدّم بها والدها ضدها. على النساء أن يتعرّضن للعنف صامتات. أين مريم اليوم؟ قابعة في سجن النساء على الأرجح، أو اختفت. "كلنا مريم العتيبي"، بات شعارًا في صفحات التواصل الاجتماعي تخليدًا لتجربتها. تقول مريم، في تغريداتها التي باتت شعارًا للحملة، دعمًا لها: "لم أطلب الكثير، كل ما أطلبه هو الأمان داخل وطني". 

عيّنتان فقط في حلقة واسعة من اضطهاد الدولة نساءها. في شريط "يويتوب"، تروي سجينة سابقة رعب سجن النساء في المملكة، حيث يرفض أولياء الأمور استلام بناتهن، بعد انتهاء مددهن، بحجة أنّهن عار على العائلة، ما يعني قبوعهن في السجن إلى ما لا نهاية. تروي السجينة السابقة أنواع التهم ضد السجينات، ومنها إقامة علاقات مع رجال، والحمل خارج الزواج (ما يسمّى حمل السفاح) إلى اتهامهن بالجنون، أو حتى سجنهن، لتعرّضهن لاعتداء جنسي من الأب أو الأخ. تقول خلود بار عيدة، السجينة السابقة التي حصلت على لجوء في ألمانيا، كيف أنّها تعرّضت سنواتٍ لكوابيس، تعيد صور السجن وأصواته، حيث أمضت 18 شهرًا و600 جلدة، بعد أن داهمت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حفلةً كانت شاركت بها. 

منحت الحركة النسائية السعودية هؤلاء النساء صوتًا عابرًا لواقعهن. باتت هؤلاء الناشطات السعوديات اليوم في الموقع نفسه، بعدما اعتبرهن النظام خائناتٍ وطنهن، بحجة التواصل مع جمعيات أجنبية. لم تمنع السيرة الطويلة لمعاناة النساء، ولا سجن الحقوقيات السعوديات، من الاحتفاء الدولي بـ"الإصلاحي" محمد بن سلمان، مانح المرأة السعودية حق قيادة السيارة، في وقتٍ أمر بسجن المناضلات من أجل هذا الحق. هؤلاء خرجن أيضًا عن الطاعة، بعدما احتفلن بحق القيادة في تصريحاتٍ للصحافة الأجنبية، على الرغم من الطلب الرسمي منهن بالصمت. لم يمنع الوضع المزري للنساء السعوديات الأمم المتحدة من تعيين المملكة عضوًا في اللجنة الخاصة لشؤون النساء. 

ليس مبالغة القول إنّ نضال النساء السعوديات ضد نظام الولاية أجمل صفحات النضال الحقوقي الذي شجعته موجات الربيع العربي. غنّت فيروز للحرية بأنّها "زهرة نارية"، تستحق من طالبيها أن يغيروا أسماءهم، أو حتى لون عيونهم. لا تليق زهرة فيروز إلا بهؤلاء.




المصدر: العربي الجديد

 



التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.