الكورد واللّحاق بقاطرة المحاصصة

تاريخ الإضافة الثلاثاء 19 حزيران 2018 - 10:44 ص    عدد الزيارات 618    التعليقات 0     القسم سياسي

        


الأحزاب الرئيسية الفائزة تحاول الخروج من أزمة من يستلم السلطة التنفيذية في العراق من بين تلك الأحزاب المتنافسة للأربع سنوات المقبلة، في وقت أظهرت نتائج الانتخابات الكثير من الشكوك حول التزوير والتلاعب والنسب المتدنية من حضور الجمهور للاقتراع، كما تلاشت الآمال بمشروع مقتدى الصدر في محاولة إخراج العملية السياسية من مأزقها الحالي، رغم أنه الفائز الرقمي الأول الذي أتاح له تمرير هذا المشروع وأخرج من أجله خلال السنتين الأخيرتين عشرات الألوف من الشباب إلى ميدان التحرير واقتحموا قلاع المنطقة الخضراء ببرلمانها ورئاسة وزرائها. وكان بإمكان الصدر ترتيب الحوارات والتحالفات الرصينة مع من رفع صوته ضد الفساد والمحاصصة الطائفية، حيث هناك قوى سياسية قد هيأت نفسها لمثل هذا المشروع الطموح وكانت مستعدة على قلة أحجامها للتخلي عن الكثير من المكاسب الخاصة سواء من بين العرب أو الكورد وكذلك التركمان.
 

وكان الكورد بشكل خاص لديهم استعدادات أكبر لدعم هذا المشروع الانتخابي لأنه سيزيح سيطرة حزب الدعوة عن رئاسة الحكومة لما لاقوه منه من نكث للوعود في عامي 2010 و2014، ويبعد إمكانية عودة حالة استئثارها بفكرها المنغلق، وإمكانية توفر الفرصة لقيام نظام وطني لا يميّز الشعب على أسس طائفية وعرقية.
 

لكن التحول العلني المفاجئ في تحالف الصدر – العامري قد غيّر من المعادلات السياسية الظاهرية، إضافة إلى ما عُرف عن قادة أحزاب كتلة الفتح من ولاء فكري عقائدي لنظام ولاية الفقيه قد يعرقل انسيابية التحالفات ويضعها أمام حالة الارتباك السياسي ظاهريًا، ولا تعرف بواطن الروابط والعلاقات الخارجية خلف هذا التطور، لكن الكورد اختاروا التريث في تقرير مصير علاقتهم ببغداد، ومدى إمكانية المغامرة بتحالف لا يعطيهم ما يطلبون. لكن خطاباتهم الأخيرة تشير إلى إصرارهم على التمسك بحقوقهم الدستورية بالدولة الفيدرالية وتفريعاتها الخاصة بالمادة الـ 140 المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها والكثير من قضايا الثروة والمال. ولا يتوقع للكورد أن يوقّعوا اتفاقًا أو برنامجًا سياسيًا يمهّد لولادة الحكومة من دون أن يتضمن بنودًا واضحة للعلاقة المستقبلية ما بين بغداد وأربيل.

 


 

هناك اعتقاد واهم لدى سياسيي بغداد الفائزين بأنّ الأطراف الأخرى من المكونات الأساسية لا يدخلون الآن في حساباتهم حتى الخروج من الأزمة الحالية والانتهاء من عقدة رئيس الوزراء، وأنّ هذه المكونات ستلتحق لا محال بركب قاطرتهم. ولكنّ الوقائع والمعطيات السياسية تقول بأنّ تجديد هذا النمط الاستعلائي بالحكم لا يتوافق مع مبدأ الديمقراطية الذي خضعوا لمشيئته، فالكورد كان لهم دورهم الصانع للحكومات السابقة في بغداد، كما لم يكن لأي من الحكومات أن تقوم دون الضلع الآخر وفق تقديرات المحاصصة. صحيح أنّ أحد المكونات الأساسية قد يكون أضعف الحلقات في العملية السياسية بسبب الظروف القاسية التي واجهتهم من ظلم وتعّد على حقوق المواطنة ومبدأ تكافؤ الفرص السياسية، إضافة إلى حالة التشظي والتبعثر والانقسام بين سياسييهم، لكن وضع الكورد مختلف، فرغم جميع الظروف ظلوا جبهة رصينة في تعاملهم مع بغداد، وهذا شأنهم حيث تتقدم الحقوق والمطالب القومية على غيرها من المصالح الخاصة.
 

كما أنّ الحزبين الكورديين الرئيسيين (الاتحاد والديمقراطي) ظلا محافظين على قيادتهما للعملية السياسية الكوردية داخل إقليم كوردستان وعموم العراق. ووجود قوى أخرى معارضة مثل كوران أو بعض الجماعات الإسلامية الكوردية فهو يدخل في مجال المعارضات المقبولة، وهذا ينطبق على برهم صالح المنشق عن حزب الاتحاد الوطني قبيل الانتخابات، وهو شخصية سياسية معتدلة لكن طموحه الشخصي يتغلب على الانسجام مع حسابات “الجبهة الكوردية” وحاول المناورة في قصة الاستفتاء الكوردي للحصول على مكاسب مستقبلية من بغداد. لكنه لم يكن متوقعًا أنّ السياسيين هناك لم يتمكنوا من النجاح في مشروع “البدائل الكوردية” الذي اشتغلوا عليه في الربع الأخير من عام 2017. مثلما راهنوا على حالة الضعف السياسي للكورد بعد استفتائهم على دولة كوردية وما سببه ذلك القرار المستعجل وغير المدروس من تداعيات محلية وإقليمية ودولية، لكن أولئك السياسيين الشيعة في بغداد وجدوا أنفسهم بحاجة إلى للكورد لعبور فاصلة دورة الحكم الجديدة، فأخذوا يغازلونهم عن طريق رئيس الوزراء في الارتخاء وتخفيف الكثير من الإجراءات القاسية المستعجلة في غلق المطارات أو موضوع المعابر الحدودية.
 

كما أنّ ما يدور حول العراق من حركة مصالح الدول يفوق حساباتهم المحلية الضيقة، فهناك مخططات إيرانية وتركية مشتركة تعلو وتفوق تفكير السياسيين في بغداد، حيث أنّ وجود القوات التركية وبناءها لقواعد عسكرية شمال العراق قد تمّا برضا إيراني وأمريكي وبقبول من قيادة مسعود البارزاني، وهناك تسريبات تحدثت عن كون دخول قوات الشرطة الاتحادية إلى مدينة تلعفر واستعادتها أواخر عام 2017 من دون قتال وهروب فلول تنظيم داعش قد تم أيضًا بدعم أمريكي تركي إيراني كوردي.


موضوع شراكة الكورد في حكم العراق ليس مطلبًا قوميًا كرديًا معزولًا عما يدور وعما يخطط للوضع العراقي خارج حدوده، فعلام تنحاز قيادات الأحزاب في بغداد إلى عواطفها وإلى المجاملات المؤقتة لمسؤول الملف العراقي في طهران قاسم سليماني عام 2017؟ فإيران اليوم في ضائقة وصعوبات في مواجهة تداعيات سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتصاعدة، وتخشى على مواقعها وهيمنتها في العراق، ولهذا فهي تلجأ الآن إلى المرونة في التعاطي مع مختلف شؤون العراق، وقد توصي أصحابها من السياسيين العراقيين حتى وإن كانوا في خانة المقاومة المزعومة والتشدد، بأن يرخوا الحبال مع الكورد الذين لم تنقطع علاقاتهم الدولية والإقليمية وحتى مع الخط العربي والأمريكي، وقبول التنازلات الجزئية في التعاطي السياسي والإعلامي.
 

كما أنّ طبخة تشكيل الحكومة ورئيسها وباقي المناصب الرئاسية ستنتهي، وتبدأ الجدية من عدمها في تنفيذ البرامج وعندها ستبرز أولى المشاكل مثل قضية الكورد ومسألة المدن المدمرة التي امتزج فيها الإنساني بالسياسي. لهذا فلا بد من وضع الاعتبار لدور الكورد في تشكيل وقيادة السلطة والتوقف عن تجاهلهم، ففي عالم المصالح تبدو قصة الحصول على توزيع سلطة الحكم المحلية مسألة جزئية، فلا الأمريكان ولا الإيرانيون تهمهم كثيرًا الاختلافات بين هذا المرشح أو ذاك سواء أكان عقائديًا جدًا أو مرنًا، فالجميع يخضع للعبة الدولية والإقليمية وحتى العربية. فلا تبخسوا الكورد في مطالبهم إن كانت في حدود الوطن ولا تتجاهلوهم مثلما تجاهلتم غيرهم فتخسروا.



المصدر: صحيفة العرب اللندانية

 


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.