قوات عربية في سوريا .. لماذا وكيف؟

تاريخ الإضافة السبت 28 نيسان 2018 - 10:53 ص    عدد الزيارات 1119    التعليقات 0     القسم سياسي

        


خورشيد دلي

كاتب سوري

لم يكن تسريب الإدارة الأمريكية عبر صحيفة وول ستريت جورنال فكرة إنشاء قوة عربية لتحل محل القوات الأمريكية في شمال شرق سوريا إلا تعبيرا عن بحث هذه الإدارة عن استراتيجية عملية لسحب قواتها من سوريا، إذ سبق وأن أعلن الرئيس، دونالد ترامب، مراتٍ عن نيته سحب هذه القوات قبل أن يحدد ستة أشهر لذلك. وتقوم الخطة الأمريكية، كما سرّبتها الصحيفة الأمريكية، على إرسال جنود من السعودية ومصر والإمارات وقطر، إلا أن من الواضح أن هذه الخطة لم تنضج بعد، وتواجه عقبات كثيرة، مع أن فكرة إرسال مثل هذه القوات ليست جديدة، إذ سبق وأن طرحت كل من السعودية وتركيا الفكرة عام 2015، مع اختلاف رؤية كل طرفٍ لمهمة هذه القوات وأهدافها. ولعل عدم إنضاج هذه الخطة يفسر الحديث الأمريكي عن مفاوضات متواصلة بين مستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتون، ومدير الاستخبارات المصرية بالوكالة، عباس كامل، بشأن المساهمة المصرية، حيث يبدو أن الإدارة الأمريكية تراهن على أن تكون المساهمة المصرية كبيرة لجهة عدد العناصر العسكرية المحتمل إرسالها إلى سوريا، نظرا إلى أن السعودية والإمارات مشغولتان بالحرب في اليمن، حيث يبقى دورهما الأساسي هو التمويل المالي، فيما يتركز الدور المصري على إرسال أكبر عدد من القوات.

اللافت أن الطرح الأمريكي جاء في ظل ثلاثة تطورات مهمة: إعلان ترامب نيته سحب القوات الأمريكية من سوريا، ما لم تغط السعودية التكلفة المالية لبقاء هذه القوات، ويبدو أن هذا الهدف تحقق في ظل الحديث عن استعداد سعودي لهذا التمويل. تنفيذ الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ضربات جوية على مراكز ومقار للنظام السوري، على خلفية استخدامه السلاح الكيميائي في دوما. الحديث عن نية الولايات المتحدة إقامة ما يشبه منطقةً تتمتع بحكم ذاتي في جنوب سوريا، وتحديدا في مدينة درعا، أشبه بما هو قائم في شرقي الفرات من خلال التعاون مع الأردن. وعليه، تبدو في ظل هذه التطورات فكرة إنشاء قوة عربية في سوريا منسجمة مع استراتيجية ترامب التي تقوم على تحميل الدول العربية مسؤولية الأعباء المالية الناجمة عن استمرار استراتيجية بقاء النفوذ الأمريكي في مواجهة المشروع الإيراني في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط، ومحاولة دفع مصر إلى الانخراط في هذه المواجهة، على اعتبار أن الولايات المتحدة تقدم لها مساعدات مالية سنوية، فيما بات معروفا أن ترامب لن يقدم مساعدات لأي دولة أو طرف من دون خدمات في المقابل.

وثمّة من يرى أن فكرة إرسال قوات عربية لتحل محل القوات الأمريكية إلى سوريا أقرب إلى الخيال، بسبب كثرة العقبات والتحديات والتداعيات المحتملة، ولعل من أهم العقبات: أن السعودية والإمارات غارقتان في الحرب في اليمن، بل ثمّة مخاطر باتت تهدد الأراضي السعودية مع قصف الحوثيين الصاروخي اليومي السعودية، فكيف لهاتين الدولتين إرسال قوات إلى سوريا في هذه الظروف؟ في حال قرّرت الدولتان إرسال مثل هذه القوات إلى سوريا تحت الضغط الأمريكي، كيف لهذه القوات، وكذلك القوات المصرية، أن تعمل مع القوات القطرية في ظل الأزمة المتواصلة بين هذه الدول وقطر؟ مصر وعلى الرغم من أنها تبدو الدولة الوحيدة القادرة على إرسال هذه القوات إلى سوريا، إلا أنها قد تجد صعوبة كبيرة في اتخاذ هذا القرار، فقد سبق أن رفضت إرسال قوات إلى اليمن.

وبغض النظر عن هذه الصعوبات والعقبات، فإن الأهم يتعلق بالتحديات المتعلقة بمهام هذه القوات، والسؤال هنا: ما هو الهدف الأساسي من إرسال هذه القوات؟ أولا، من الصعب تخيل أن هذه القوات ستذهب لمحاربة الجيش السوري، في ظل عدم مطالبة هذه الدول بإسقاط النظام، فحتى السعودية التي كانت تطالب سابقا برحيل الرئيس بشار الأسد، قال ولي عهدها محمد بن سلمان أخيرا في واشنطن إنه ينبغي القبول بحكم الأسد. وعليه، ثمّة صعوبة في إقناع الدول المذكورة بمهمة هذه القوات، خصوصا وأن معركة القضاء على "داعش" تبدو في نهايتها. 

ثانيا، إرسال قوات عربية إلى سوريا من دون موافقة النظام يفتح باب المواجهة بينها وكل من النظام السوري وإيران وحزب الله وروسيا. وتبدو هذه الفكرة جنونية ومستبعدة، إذا ما علمنا أن تداعيات هذه المواجهة ستكون كبيرةً، مقارنة بالهدف الأمريكي المعلن، أي تحقيق الاستقرار في شمال شرق سوريا.

إن إرسال هذه القوات بهدف دعم قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكوردية المتحالفتين مع الإدارة الأمريكية يفتح باب المواجهة المباشرة مع تركيا التي تحارب هذه القوات، وتصنفها في خانة الإرهاب، وهو ما يعقّد النزاع أكثر في الشمال السوري، لا تحقيق الاستقرار كما تقول الخطة الأمريكية.

في ظل هذا المشهد الصعب، تبدو فكرة إرسال قوات عربية تحل محل قوات أمريكية، أمام مجموعة من السيناريوهات المفتوحة: 

أولا: توسيع فكرة جنسية القوات المشاركة في الذهاب إلى سوريا، مثلا أن تكون إسلامية ولا سيما باكستان، حيث سبق وأن أعلنت السعودية عن تأسيس تحالف إسلامي، على الرغم من أن هذا التحالف لم يدخل إلى حيز التنفيذ لجهة المشاركة في الحروب المندلعة في المنطقة. 

ثانيا: أن تقتصر المساهمة العربية على التمويل المالي، بمعنى أن يتم الإقرار الرسمي بتمويل عربي، وتحديدا خليجيا، للقوات الأمريكية وحلفائها من دول الغرب، ولا سيما فرنسا وبريطانيا التي أرسلت أخيرا قوات إلى منطقة شرق الفرات، واستقرت مبدئيا في مدينة منبج. وقد يفتح هذا الأمر الباب أمام دول أخرى، لإرسال قواتها إلى سوريا. 

ثالثا: ثمّة من يرى أن فكرة إرسال قوات عربية إلى سوريا غير واقعية، نظرا إلى أن المقومات غير متوفرة أولا، ومن ثم فإنها ستزيد من حدة النزاع في سوريا. وعليه، قد تتخلى الولايات المتحدة عن هذه الفكرة، بسبب العقبات والمخاطر الكثيرة. لكن بعد أن تؤمن التمويل اللازم لبقاء قواتها في المرحلة المقبلة، ريثما يتم التوصل إلى تسويةٍ سياسيةٍ للأزمة السورية. 

رابعا: ثمّة من يرى أنه، على الرغم من هذه العقبات الكثيرة، فإن دول الخليج، وتحديدا السعودية والإمارات، ستعملان على إنجاح المقترح الأمريكي، ولكن ليس من خلال قوات البلدين، وإنما من خلال فكرة إرسال قوات من السودان والأردن وباكستان، وربما غيرها من الدول العربية والإسلامية إلى سوريا، على أن تقدم الدولتان التمويل. وثمّة من يرى أن هذه الفكرة قد تكون عملية أكثر، نظرا لحساسية إيران والنظام السوري من إرسال قوات سعودية إلى سوريا، واحتمال أن يفجر هذا الأمر حربا واسعة بين السعودية وإيران على الأراضي السورية.

وعلى الرغم من كل ما سبق، تبقى فكرة نشر قوات عربية وإسلامية في سوريا مهمة للإدارة الأمريكية وحلفائها في المنطقة، فالثابت أنه لا يمكن تصور انسحاب أمريكي من سوريا قبل نشر مثل هذه القوات، لأن غير ذلك يعني انتصار المشروعين، الإيراني والروسي، في المنطقة، وهو ما لا تقبل به لا الولايات المتحدة ولا السعودية والإمارات. وعليه، سيتركز الجدل في المرحلة المقبلة على عدد هذه القوات، ومن أي دولة، وتحديد مهام هذه القوات، وأماكن تمركزها. وفي جميع الأحوال، يمكن القول إن إرسال هذه القوات إلى سوريا سيشكل منعطفا جديدا في الأزمة السورية، سيما لجهة احتمال حصول مواجهات كبرى، ولعل من رحم هذه المرحلة قد نجد تحالفات مختلفة أو جديدة، في ظل الحديث عن إعطاء الولايات المتحدة وضعية خاصة لعلاقة السعودية بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، على شكل حليفٍ رئيسي خارج الحلف، كما هو حال العلاقة مع إسرائيل، وذلك مكافأة للسعودية في حال وافقت على إرسال قوات عربية إلى سوريا.




المصدر: العربي الجديد

 


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.