النازحون بين هول الموت وجحيم العودة وأوراق السياسة

تاريخ الإضافة الأحد 28 كانون الثاني 2018 - 10:49 ص    عدد الزيارات 700    التعليقات 0     القسم سياسي

        


أزمة النازحين في العراق ليست أزمة عابرة مثلما هي في جميع بلدان العالم، فاقتلاع الناس من ديارهم بصورة جماعية بسبب الحروب والصراعات يخلف نتائج اقتصادية واجتماعية قد تصل إلى حالة الاستدامة. وابتلي العراق بهذه الآفة المدمرة منذ احتلاله عام 2003.

 

كانت هناك موجات نزوح طائفي وعرقي بعد عام 1991 سواء من بعض المحافظات الكوردية أو المحافظات الجنوبية، لكن غالبية أولئك المهاجرين دخلوا بلدان اللجوء الأوروبية بسلاسة وتوطنوا هناك لدرجة الرفاهية.

 

وحافظ قسم كبير منهم على ممتلكاته وعلاقاته الأسرية في العراق، لكن أزمة النزوح الجماعي بعد عام 2003 أخذت طابعا طائفيا وعرقيا ومناطقيا، وخضعت لمشاربع سياسية نافذة شجعها الاحتلال الأميركي بقوة لكي تتحقق الحالة المزرية من التفكك الاجتماعي والصراع.

 

النظام السياسي في العراق ومديروه من قادة الأحزاب الطائفية استثمروا مرجعية الدستور، دولة مكوّنات وليست دولة المواطنة المدنية، فشجعوا سياسة الكراهية والثأر بين أهم مكونين اجتماعيين (الشيعة والسنّة) إلى جانب ازدراء الأقليات الدينية، خصوصا المسحيين، وتحويلهم إلى أرقام ملحقة بالرقم الأكبر “الشيعي الحاكم” رغم مكانتهم التاريخية والحضارية الأصيلة في العراق.

 

تصاعدت الضغوط على العرب السنّة بشكل خاص بعد اتهامهم والتلفيق على تاريخهم في تأسيس وبناء وطنهم إلى جانب أخوتهم الشيعة، ووضعهم تحت دائرة “الاتهامات المتوالدة”. وانفتحت أبواب جحيم النزوح والهجرة بعد جريمة تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء عام 2006.

 

وسجلت المنظمة الدولية للهجرة حسب إحصائياتها نزوح 759 ألف شخص في ذلك العام من ديارهم، لكنها لم تصل إلى الصورة المرعبة التي ابتدأت عام 2013 حين دخل داعش إلى الفلوجة وتصاعد الأزمة السياسية ما بين سلطة المالكي وأهل الأنبار إلى عمليات هجومية أمنية وعسكرية تسببت بالنزوح الجماعي.

 

وبدأت الكارثة الكبرى بعد الاجتياح المدبر لداعش لمحافظات نينوى وصلاح الدين وديالى والأنبار وكركوك، حيث نزح من تلك المدن قرابة 6 ملايين شخص غادر قرابة مليون ونصف المليون منهم وطنهم العراق في هجرة قسرية مؤلمة.

 

ومثلما هي حالة الاحتلال الداعشي صادمة للجميع فإن حكومة بغداد لم تكترث لقضية النزوح الإنسانية بكل جوانبها بقدر ما اهتمت بالجانب العسكري بعد مجيء حيدر العبادي لرئاسة الوزراء عام 2014 بعد ثلاثة أشهر من اجتياح داعش ووضع السبل التعبوية والعسكرية لتحرير الأرض عبر مراحل ووفق خطط التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

 

لكن المنظمات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة المتخصصة بقضية “اللاجئين” تعاملت مع قضية النزوح الجماعي العراقي وفق مقاييسها المهنية المناطة بها. فسارعت إلى تنفيذ إجراءاتها وفق مواردها المالية المتاحة، لكنها لم تتمكن من ضبط مواقيت ومواقع ووجهة مناطق النزوح داخل العراق وخارجه لأنها ارتبطت بحجم المواجهات المسلحة والمعارك التي ابتدأت منذ نهاية عام 2014 في ديالى ثم الفلوجة والرمادي عام 2016 والموصل عام 2017 وحتى نهاية المعارك في ديسمبر من العام نفسه.

 

ترافقت عمليات التحرير من داعش مع تسجيل انتهاكات لاإنسانية بحق المواطنين في تلك المناطق في التعذيب والقتل والإخفاء من قبل مجموعات مسلحة حسبت على بعض فصائل الحشد الشعبي.

 

أزمة النازحين تبدأ من لحظة مغادرة الأرض والمسكن ولا تنتهي بالعودة بعد التحرير. صحيح أن النازحين تم استقبالهم وإيواؤهم في مخيمات النزوح على أطراف محافظات أربيل ودهوك والسليمانية، وهناك من توجهوا إلى الجهات العراقية الوسطى والجنوبية الآمنة، لكن تلك المخيمات لم تتوفر فيها الحدود الدنيا من الحاجات الإنسانية وهي كثيرة تبدأ من الغذاء إلى الصحة والتعليم والاستقرار الاجتماعي، إضافة إلى حملات الاعتقال لغالبية الشباب أبناء تلك العوائل بتهم التحقيق الأمني سواء من قبل الأوساط الأمنية الكردية “الأسايش” أو مسؤولي الحشد الشعبي والقوات الأمنية العراقية.

 

المواطن النازح موارده قليلة أو معدومة. غالبية النازحين خصوصا من أبناء الموصل، هم موظفون في الدولة. وحاولت بعض الأجهزة الحكومية المركزية تشغيل البعض كالمعلمين بفتح مدارس لكنها بنسب محدودة.

 

وأدت الأزمة المعاشية حسب رصد تقارير ميدانية موثقة من قبل منظمات المجتمع المدني إلى تفشي عمالة الأطفال والبغاء وبيع الأعضاء البشرية. وبرزت مشكلات كثيرة لا حصر لها خلال العيش في المخيمات من بينها مصادرة “الوثائق الشخصية” للنازحين مما صعّب حسب المنظمات الإنسانية من مهمة توفير الخدمات وكذلك صعوبات الانتقال بين منطقة وأخرى، أو تحديد عائدية النفوس للم شمل العوائل بعد أن أصبحت مخيمات النازحين أشبه بمعسكرات العزل التي يستذكرها العالم خلال الحرب العالمية الثانية.

 

عودة النازحين بعد إتمام عمليات استعادة البلاد من داعش فيها تفصيلات كثيرة تتعلق بإمكانية العودة والاستقرار، فماذا يفعل العائدون حين يواجهون أطلالا أو أكواما من الأنقاض أو حتى لو وجد بعضهم بقايا دور؟ من الذي سيعوضهم، وكيف سيحققون الاستقرار الأمني في ظل الإجراءات القاسية ضدهم؟

 

وقد تم توثيق عمليات منع جماعي لأهل المدن من العودة إليها ابتدأت في مناطق وأقضية محافظة ديالى كالمقدادية وجلولاء والسعدية، التي تمت استعادتها عام 2015 إضافة إلى منطقة جرف الصخر التابعة لمحافظة بابل التي منع جميع أهلها من العودة بتهمة انتمائهم إلى داعش مما صعّد حالة عدم الثقة بين الأطراف السياسية السنية وأحزاب السلطة.

 

ومن الطريف المحزن تصريح رئيس ائتلاف الوطنية إياد علاوي حول جهود إعادة أهالي مدينة جرف الصخر حيث كشف في مؤتمر صحافي “أن قياديين كبيرين في الحشد الشعبي (أبومهدي المهندس وهادي العامري) أبلغاه أن عودة نازحي جرف الصخر إلى ديارهم مرتبطة بالموافقة الإيرانية”.

 

وتحولت قضية “النازحين” من كونها قضية بالغة الأهمية إنسانيا وينبغي أن يتسابق حولها السياسيون لتخفيف الآلام عن المواطنين إلى ورقة بيد السياسيين المتنافسين على مصالحهم الخاصة، خصوصا بعض الزعامات السنية التي تثير قضية عودة النازحين شرطا لقيام الانتخابات التي حددتها الحكومة في الثاني عشر من مايو المقبل. ودخل البرلمان على الخط في محاولة للوقوف في الوسط حيث ألزم الحكومة بإعادة جميع النازحين إلى ديارهم، لكن الأمر أبعد عن التحقيق خلال الأشهر القريبة التي يطالب بها السنة لتأجيل الانتخابات. 

 

المصدر: العرب اللندنية


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.