هل يعيد العراق الاصطفاف مع السعودية في 2018 ؟

تاريخ الإضافة الخميس 25 كانون الثاني 2018 - 12:34 ص    عدد الزيارات 821    التعليقات 0     القسم سياسي

        


منذ اعتلاء الملك سلمان عرش السعودية قبل ثلاث سنوات بدأت سياسة الرياض الخارجية تتجه بشكل متزايد نحو استخدام القوة، وهو ما ابرزته الازمتان المستمرتان في اليمن وقطر، وقد كان تنامي النفوذ الايراني في الشرق الاوسط هو العامل الرئيس في دفع السعودية لأن تنحو هذا المنحى ازاء شؤون المنطقة. 


من بين جميع الجبهات السياسية التي تحاول الرياض فيها التصدي لطهران نجح السعوديون في احراز قدر ملحوظ من النجاح في العراق. عندما وقع غزو العراق، الذي قادته الولايات المتحدة وبريطانيا في العام 2003، انقلبت المقادير بالنسبة للقوى السياسية الشيعية في البلد وبرزت الكتل الشيعية بعد سقوط صدام مباشرة كقوة مهيمنة على المشهد السياسي في العراق، وقد افلحت ايران في الافادة من هذا التغيير من خلال التأثير على تلك الكتل المختلفة وجعلها تنضم الى بعضها لتشكل حكومة. وخلال فترة حكم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي اصبحت ايران لاعباً اساسياً في السياسة العراقية.


خلال ذلك لم تبذل السعودية جهداً حازماً لمواجهة النفوذ الايراني في العراق فاستمر نفوذ السنة في السياسة العراقية بالتراجع منذ العام 2003 رغم كونهم يمثلون المكون الثاني في العراق. كان مرد ذلك بدرجة ما هو عزوف القوى السنية في المنطقة، ولا سيما السعودية، عن الزج بنفسها في العراق ودعم المصالح السياسية لسنة العراق. من الناحية التقليدية حافظت السعودية على روابطها مع طبقة النخبة في العشائر السنية في محافظة الانبار، ولكن روابطها تلك لم تكن ذات طبيعية ستراتيجية لذا لم تحدث تغيراً في اوضاعهم السياسية. الى وقت قريب كانت الرياض متخلية عن العراق، وتعد حكومته مرتبطة بإيران.


بيد ان الملك سلمان وولي العهد محمد بن سلمان غيرا بصورة جدية ستراتيجيات الرياض وبادرا بإطلاق هجوم "من معسول الكلام" لأجل اعادة الصلة مع الحكومة العراقية الحالية. كان من اسباب هذا التحول ايضاً صعود حيدر العبادي الى منصب رئيس الوزراء، لأن العبادي اتخذ موقفاً قومياً تجاه الشؤون السياسية المتعلقة ببغداد كما انخرط في علاقات ايجابية مع جميع جيران العراق. هذه الرغبة المتبادلة لاصلاح العلاقة كان من ثمراتها تعيين السعودية اول سفير لها في العراق منذ غزو صدام للكويت.


بيد ان العلاقات عادت فتعكرت من جديد عندما طلبت الحكومة العراقية من السعودية تغيير سفيرها عقب ادلائه بتصريحات مثيرة للجدل. تصرف السعوديون بكياسة وواقعية فقاموا باستدعاء سفيرهم ولكنهم لم يجمدوا تمثيلهم الدبلوماسي في العراق.


لم يلبث هذا التوتر في العلاقات الثنائية الذي احدثه طرد السفير السعودي ان انقشع تدريجياً. كذلك كان للزيارات التي تلت ذلك من قبل وزير الخارجية السعودي عادل الجبير ووزير الداخلية العراقي قاسم الاعرجي، وحتى العبادي، دور في الوصول الى هذه النتيجة. عدا هذا ادرك السعوديون أن القوة الهائلة التي تتمتع بها الفصائل الشيعية في العراق لن يمكن مواجهتها جهاراً بل يتطلب الامر سياسة واقعية ناعمة تقوم على التوغل اعمق كما يجب ان تضم ايضاً عناصر ذات توجهات قومية.


بعد ذلك جاءت هزيمة "داعش" في الموصل وغيرها من المدن العراقية على يد قوات الامن العراقية فشجعت بغداد والرياض على التحرك نحو علاقات جديدة، واتيحت للسعودية فرصة فريدة من خلال المساهمة في اعادة اعمار المناطق المتضررة  الرئيسيية في العراق، الامر الذي يمكن ان يكسبها مواقع ارتكاز مؤثرة في العلاقات المستقبلية بين الطوائف في العراق. هذه الدينامية المقترنة بواقع ان كثير من المسؤولين العراقيين يسعون لتأكيد استقلال بغداد عن سياسة طهران الخارجية وتبني خطاب ذي نغمة سياسية قومية متصاعدة لمرحلة ما بعد "داعش" قد تمكن الرياض في نهاية المطاف من تحقيق النجاح بدرجة من الدرجات في مسعى تحجيم دور ايران.


في شهر تموز الماضي قام رجل الدين الشيعي المعروف مقتدى الصدر بزيارة للرياض لأول مرة منذ احد عشر عاماً حيث اتفق مع القيادة السعودية على هدف التعايش السلمي والتعاون المتبادل لتحقيق المصالح المشتركة. من قبل ذلك كانت للسعودية علاقات بالسياسي العراقي البارز ونائب رئيس الجمهورية اياد علاوي الذي اتهم ايران بالتدخل في العراق.


السعودية لا تكتفي فقط بالتركيز على علاقاتها السياسية الخارجية مع العراق بل ايضاً على تقوية الروابط التجارية والاقتصادية الثنائية ايضاً، لأن المسؤولين في الرياض ادركوا ان العلاقات مع العراق على المدى البعيد لا يمكن ان تنجح إلا اذا ترسخت بشراكة اقتصادية. وقد اكد القائم بالاعمال السعودي في بغداد على ان الاولوية  بالنسبة اليه تتمثل في توسيع المشاركة الاقتصادية بين الدولتين، وفي الوقت ذاته فتح ابواب التعامل بين نخب الاعمال في الجانبين. وفق هذا الاطار قررت السعودية اخيراً تعيين سفير دائم لها في العراق.


تعي السعودية ان آفاق تحجيم النفوذ الايراني في العراق ستكون اكثر واقعية متى ما احسنت السعودية لعب أوراقها السياسية والاقتصادية بالنحو والتوقيت الصحيحين، ويبدو ان الانتخابات العراقية في 2018 سوف تتيح لها هذه اللحظة السانحة. وإذ يمسك محمد بن سلمان بالدفة يبدو ان ثمة التقاء بالمصالح آخذا بالتبلور بين الكيانات السياسية العراقية والمملكة، فغاية ما تتمناه الرياض هو عراق يحكمه اشخاص من امثال العبادي وعلاوي والصدر والحكيم بدلاً من لاعبين متحالفين مع ايران. علاوة على هذا يتملك السعودية قلق شديد من المجاميع الشيعية العالية التسليح التي ينشط قسم منها في مناطق قريبة من حدود المملكة مع العراق والتي ترى فيها الرياض تهديداً للأمن القومي السعودي. هذا التهديد يمكن اضفاء الطابع المؤسساتي عليه اكثر اذا ما استطاع هؤلاء اللاعبون استثمار انتصاراتهم على "داعش" سياسياً في الانتخابات المقبلة. نجاح الكيانات السياسية التي تسعى لمزيد من الاستقلال عن الجمهورية الاسلامية قد ينشأ عنه في العراق مشهد سياسي جديد اكثر ملائمة بكثير لمصالح الرياض على المدى البعيد.

 

المصدر: الصباح


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.