قبل بغداد.. السياسة النفطية في إقليم كردستان هي سبب خرابنا المالي

تاريخ الإضافة الخميس 30 نيسان 2020 - 5:12 ص    عدد الزيارات 352    التعليقات 0     القسم سياسي

        


مقابلة قناة الشرقية مع وزير النفط العراقي، ثامر الغضبان، التي بثت يوم 25 نيسان، كانت بالنسبة للمتابع من إقليم كردستان كرش الملح على جرح لا يلتئم. فهي تأتي مع بدء جولة جديدة من التصعيد بين سلطات الإقليم و حكومة تصريف الأعمال العراقية، محورها توقف ارسال مستحقات رواتب موظفي الحكومة في الإقليم بسبب اتهام الأخيرة بعدم الإيفاء بإلتزاماتها في تسليم 250 ألف برميل نفط يومي إلى شركة تسويق النفط العراقية (سومو).  

 

وكان مواطنو الإقليم قد تنفسوا الصعداء بعد الإتفاق بين رئيس الوزراء، عادل عبدالمهدي، وحكومة الإقليم على فصل استحقاقات رواتب الموظفين عن الخلافات المزمنة حول السياسة النفطية للإقليم، وصار موظفو الحكومة في الإقليم، ومنذ آذار العام الماضي، يتلقون راتبهم الشهري بدون الإستقطاع غير القانوني الذي تدعي حكومة الإقليم أنها "تدخره" للموظفين منذ سنين، وصرنا نرى انتظاما في دفع الرواتب كل شهر، وهو الآخر أمر فشلت إدارة الإقليم في الإلتزام به لسنين… 

 

لكن كل هذا تبخر من جديد منذ بداية شهر آذار الحالي، فكان آخر راتب استلمه الموظف البائس في الإقليم هو راتب كانون الأول من 2019 ، قبل أكثر من خمسين يوما من كتابة هذا المقال. أي مع بدء حملة التبعيد الإجتماعي و منع التجول في الإقليم و الطلب من المواطنين التزام بيوتهم للتصدي لتفشي وباء الكورونا. مما جعل من الأمر إجراما مركبا بحق المواطنين في وقت هم في أشد الحاجة إلى الإعانة وشد الأزر من أجل إنجاح حملة التبعيد الإجتماعي. ويكفي لمعرفة وقع هذا الإجرام التذكير بالهلع الذي أصاب موظفي الدولة في الوسط والجنوب حينما انتشرت مجرد الشائعات عن إحتمال تبني حكومة تسيير الأعمال لسياسة "الإدخار الإجباري" أسوة بالإقليم

 

 

عود إلى مقابلة وزير النفط العراقي 

رغم أن المقابلة حملت في طياتها عدة عناوين، فإن ما يستوقفني فيها هي المعلومات التي تنفع في رسم صورة مقارنة لفداحة نتائج السياسة النفطية "المستقلة" التي تتبناها حكومة الإقليم. فقد صرح وزير النفط العراقي بأن معدل ربح شركات النفط المتعاقدة مع الحكومة العراقية، وفق عقود الخدمة للسنوات 2010 -2018 كان 1.41 $ للبرميل المنتج، وكان معدل مستحقات هذه الشركات (بدل المصاريف + الارباج) يساوي 14.3% من إجمالي إيرادات بيع النفط العراقي، مع ملاحظة أن هذه الأرقام لا تشمل عقود ومعاملات انتاج و بيع النفط في إقليم كردستان

 

 

ماذا عن إقليم كردستان؟ 

اختارت حكومة إقليم كردستان، منذ 2007 رسميا، وقبل ذلك بكثير بشكل غير رسمي، أن تتخذ لنفسها سياسة نفط "خاصة بها" و مستقلة عن بغداد. وجرى ذلك على خلفية الإهمال المتعمد لتطوير إمكانات انتاج النفط والغاز في الإقليم (عدا كركوك) من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة وبدوافع شوفينية لا تخفى على المواطن الكردي. وبدعوى تصحيح غبن تاريخي، قامت حكومة الإقليم بتوقيع عقود مع شركات نفط اجنبية، بدون موافقة بغداد. وبدأت تصدر النفط بشكل مستقل

 

هذا الموقف، مع هشاشة مبرراته القانونية  في الدستور العراقي وفي القانون الدولي، ادى إلى إضعاف الموقف التفاوضي للإقليم و الحكومات المركزية المتعاقبة إزاء شركات النفط، فخسر الإثنين ما كان يمكن أن يكسباه لو نسقا مواقفهما و الخطوط العامة للسياسة النفطية في البلد

 

ورغم أن المفاوضين الكرد  مع شركات النفط الأجنبية قد أنتجوا عقودا أدت إلى إغنائهم هم و شركات الخدمات النفطية والأمنية التابعة لأحزابهم و عائلات متنفذيهم، إلا أننا سنفترض أن هذا الإغناء من الثروة الوطنية لم يكن الدافع الأساس في قراراتهم، بل هدفوا حقا إلى رسم سياسة نفطية مستقلة وتأسيس البنية التحتية الإقتصادية و السياسية الدولية لإستقلال إقليم كردستان المنشود. وهذا هو ما يصرحون به للمواطن الكردي، فيحولون بذلك أي خلاف معهم إلى "خيانة" لحلم الوطن الكردي، وكل مشقة في الطريق إلى ثمن لابد من دفعه لتحقيق الحلم

 

 

 

جذب شركات النفط إلى إقليم بلد عضو في الأمم المتحدة و طرف في أغلب اتفاقياته، بدون رضا الحكومة المركزية، "اجبر" متنفذي الإقليم على إبداء "كرم" أكبر من بغداد إزاء شركات النفط حتى تقبل الأخيرة التعاقد في هكذا ظروف. العنوان الرئيسي لإختلاف عقود الإقليم مع عقود بغداد كان إختيار نظام عقود المشاركة في الإنتاج بدلا من نظام عقود الخدمة المتبع من قبل بغداد

 

  ومع كل جولة تراخيص فاشلة وفوضوية لعقود الخدمة في بغداد، كان اصوات "المحللين الإقتصاديين" و "خبراء النفط" في الإقليم تتصاعد لتعلن أن عقود "سياسة النفط المستقلة" للإقليم هي أفضل من عقود بغداد، وأن نموذج ادارة الإقليم للثروة النفطية يجب أن تكون المثال الذي يحتذى به في بغداد. وقليون هم من كانوا يحذرون منذ البداية، كما كاتب هذه الأسطر، من عواقب جمة تهدد القرار المستقل و تهدر الثروة الوطنية و تغذي الفساد على نحو خطير من جراء مواصلة السير في السياسة "المستقلة" هذه

 

  مقارنة تأخرت كثيرا بين سياستي المركز و الإقليم 

على افتراض أن المعلومات التي ادلى بها وزير النفط العراقي في مقابلته مع الشرقية، هي صحيحة بشكل قابل للتدقيق، و أن المعلومات التي وردت في آخر تقرير لشركة ديلويت أند توش، التي استأجرت حكومة الإقليم خدماتها للتدقيق المحاسبي، هي أيضا صحيحة بشكل قابل للتدقيق، بناءا على هذا الإفتراض لنقارن بين المعطيات عن معدل السنوات العشر في العراق مع معطيات تقرير الربع الأخير من عام 2018 كما جاء في تقرير شركة ديلويت أند توش عن إقليم كردستان

 

  ما هي معطيات الإقليم مقابل معدل الـ 1.41$ ربح الشركات من انتاج البرميل الواحد و معدل الـ 14.3% (بدل مصاريف + أرباح) للشركات من مبيعات النفط في العراق؟ 

 

 

حسب تقرير ديلويت أند توش، عن اشهر تشرين الأول وتشرين الثاني وكانون الأول من عام 2018، أنتجت شركات النفط العاملة في إقليم كردستان 40,960,333 برميل نفط. وهو مجموع ما تم تصديره عبر الأنابيب و التنكرات إلى الخارج أو أُستهلك محليا. مجموع عائدات بيع هذا النفط كان 2,149,809,755$. وبما أنه لاتتوفر لدينا بيانات كلفة الإنتاج، فسنفترض أنها تزيد عن كلفة الإنتاج في العراق بمقدار 60 سنتا لكل برميل. أي أن كلفة الإنتاج في الإقليم هي 10$ للبرميل. هذا يعني أن مجموع كلفة الإنتاج في الأشهر الثلاث هو: 409,603,330$ تلقتها الشركات المنتجة لقاء تحملها هذه التكاليف. وهذا المبلغ يشكل 19.05% من مجموع مبيعات النفط في الإقليم

 

مجموع ما تلقته هذه الشركات لقاء إنتاجها (بدل المصاريف + الأرباح) في هذه الأشهر الثلاث هو 782,195,553$. (ولأجل أن لا نشتت الموضوع سوف نتجاهل واقع أن شركات النفط العاملة في الإقليم بمجملها تشكو في بياناتها المالية السنوية من عدم انتظام دفوعات الإقليم وعدم إيفائها بإلتزاماتها التعاقدية كاملة). هذا يعني أن مجموع مستحقات شركات النفط في الإقليم من مبيعات إنتاجها هو 36.38% من مجموع إيرادات النفط التي تحصل عليها حكومة الإقليم. ولو قبلنا بأن 19.05% منها هي بدل مصاريف الإنتاج، فإن صافي أرباح هذه الشركات من إنتاج النفط في الإقليم هي 17.33% من مجموع مبيعات نفط الإقليم. وهذا يعادل 9.09$ للبرميل الواحد. هكذا فإن الشركات العاملة في الإقليم تحصل على أرباح تقارب الستة أضعاف أرباح الشركات العاملة في باقي انحاء العراق، وهي غير راضية

 

قد يقول قائل أن ما سبق هو إجحاف بحق الإقليم الذي يسدد قروض من حصته من مبيعات النفط و يتحمل تكاليف تصدير لا تتحملها الحكومة العراقية، إلا أن ارقام تقرير ديلويت أند توش هذه عن قيمة المبيعات هي قبل طرح مصاريف خدمة القروض و رسوم نقل النفط بالأنابيب عبر تركيا. عند طرح هذه المصاريف يبقى للإقليم صافي إيرادات مجموعها 784,760,994$. أي أن ما دخل للإقليم من إيرادات بعد الإستقطاعات يمثل 36.5% من الإيرادات الإجمالية. أي أن صافي حصة الإقليم من مبيعات النفط لا تزيد عن حصة الشركات إلا بـ 0.12%. 

 

 

 

أين يذهب باقي حصة الإقليم؟ 

بيانات تقرير ديلويت أند توش تعمدت خلط بعض البنود، ولكن ما يمكن استخلاصه هو أن حكومة الإقليم قد دفعت 355 مليون دولار لتسديد أقساط قروض (أصول و فوائد). وترجمة هذا أن الإقليم قد خصص ثلث ايراداته من مبيعات النفط لتسديد القروض

 

  الكلفة المتعارف عليها لنقل النفط عبر الانابيب في العالم هي 0.50-0.75 %$ للبرميل الواحد لمسافة كل1,000 ميل. إلا أن الإقليم دفع إلى تركيا لقاء وصول نفطه إلى ميناء جيهان على البحر المتوسط عبر أنابيب يقل طولها عن 600 ميل، مبلغا قدره 3.45$ في الشهور الثلاثة. أي أن الإقليم قد دفع 135,581,373$ تعرفة نقل، و هذا يساوي 17.27% من حصة الإقليم من المبيعات

 

عدا عما سبق، لو نظرنا إلى تقرير اشهر نيسان، مايس، حزيران من نفس العام، و الذي هو آخر تقرير يذكر مبيعات النفط بالتنكرات عبر إيران، فنرى أن الإقليم باع نفط التنكرات بمعدل يقل عن مبيعات الأنبوب بمبلغ 5.54$. أي أن الإقليم خسر في بيع النفط بالتنكرات مبلغا قدره 2,266,149$ خلال 3 أشهر فقط. وخلال نفس الفترة، يذكر تقرير ديلويت أند توش أن حكومة إقليم كردستان دفعت مبلغا قدره 20 مليون دولار كأتعاب محاماة إلى شركة أجنبية مثلت الإقليم في دعوى رفعتها شركة دانة غاز ضد الإقليم في المحاكم البريطانية و ربحتها! أي أن الإقليم دفع الـ 20 مليون دولار للشركة التي خسرت الدعوى

 

 

 

نفط، خيار، طماطة 

  في احدى الجولات التفاوضية بين ممثلي حكومة الإقليم و الحكومة العراقية، امتعض ممثلو الإقليم كثيرا حينما خاطبهم وزير سابق قائلا أن بيع النفط ليس كبيع الخيار والطماطة...ولكن التمعن بمآل عائدات نفط الإقليم و مأزقنا المالي الحالي يجعلنا نتمنى لو أن باعة الخيار والطماطة هم من كانوا يقررون سياستنا النفطية


مقالات متعلّقة