في نقاش الاقتصاد والنزاعات والحروب

تاريخ الإضافة الأحد 3 كانون الأول 2017 - 6:35 م    عدد الزيارات 581    التعليقات 0     القسم سياسي

        


علاء الترتير

كاتب فلسطيني في موقع العربي الجديد

ما هو دور الاقتصاد في الصراعات والحروب؟ سؤال يدرج على جدول أعمال مؤتمرات ودوائر عديدة لصنع القرار الدولية، في ظل تزايد النزاعات وتوسعها، واتخاذها أشكالاً وخصائص متباينة، فخصائص حروب اليوم تختلف عن تلك المنوطة "بالحروب القديمة"، وكذلك اقتصاداتها، فاقتصادات تلك الحروب والصراعات متمايزة، وللاقتصاد دور محوري في ديمومتها، أو العمل على إنهائها أو إدارتها.

 

يُظهر الشرق الأوسط، على وجه الخصوص، تعقيدات العلاقة بين السياسة والاقتصاد في وقت السلام. وفي وقت الحرب والصراعات، تزداد هذه التعقيدات تعقيداً، وتتخذ توجهاتٍ لا تظهر فقط درجة التشابك، وإنما أيضاً الدور التكاملي بين الحقلين. وبالنظر إلى صراعات وحروب عديدة، يمكن تصنيف دور الاقتصاد فيها ضمن خمس فئات وتوجهات رئيسية، يمكن أن تساعدنا على الإتيان بفهم أفضل، ومَشكلة أعمق لدور الاقتصاد في الحروب والصراعات.
أولاً، الاقتصاد من أجل السلام، ويمثل هذا النهج توجهاً مقروناً بالدور الإيجابي المحتمل للأدوات الاقتصادية بتوفير حوافز مادية للعمليات السياسية والتفاوضية وإدارة الأزمات والصراعات. ويقع نهج "السلام الاقتصادي" في صلب هذا التوجه، والذي يقضي بعنونة الصراعات السياسية بأدوات وأطر اقتصادية. وبالتالي، يمكن أن يكون الاقتصاد جزءا من الحل، بدلاً من المشكلة. لكن هذا التوجه ما زال مليئا بالتناقضات والتوترات، في إطار السطوة النيوليبرالية، والتي تجعله توجهاً مجتزءا ومنقوصاً، وإن كانت الافتراضات النظرية توحي بالدور الإيجابي للاقتصاد في إحلال السلام.

 

ثانياً، اقتصاد الصراعات والحروب. وهنا يصبح الاقتصاد جزءاً من المشكلة، بدلاً من الحل،  

بحيث يطوع الاقتصاد نفسه لديناميات الصراعات، وينضوي تحت إمرة خصائص الصراعات وشكلها ومحدداتها. وعليه، تنشأ فئة منتفعة من ديمومة الصراع واستمراره، والتي سرعان ما تسيطر بالعمليات الاقتصادية وتتحكم بها، وتصبح الصراعات مصدر ربح مجزٍ لبعضهم، مثل "لوردات الحروب"، ومصدر إفقار للأغلبية، وينعم فاعلون، غالباً مجموعات من خارج أطر مؤسسات الدولة الرسمية، بدرجة أعلى من المساحة، لتسيير الأمور، ومنها الاقتصاد، ويقترن التدخل الخارجي بحجم ضرر بليغ للمجتمعات المحلية آنياً ومستقبلياً. تشكل أفغانستان مثالا حياً على هذا التوجه إلى اقتصاد الصراعات والحروب.

 

ثالثاً، الاقتصاد المتفتت والممزق بتداعيات الحروب والصراعات، ويقع هذا المنحى بين المنحنين السابقين، إذ يشكل دوراً انتقالياً للاقتصاد في ديناميات الصراع، والتي يمكن أن تنحاز إلى الدور الإيجابي أو السلبي، اعتماداً على كيفية التطبيق وشكله. على نحوٍ أكثر من الدقة، لنفكر مثلاً باقتصادات إعادة الإعمار في ظل انتهاء الحروب أو بعدها؛ إذ توفر هذه المساحات فرصاً وتحدياتٍ، وتوفر أيضا دوراً للاقتصاد في التأثير على تشكُل المؤسسات والبنى للنزاعات وما بعدها، فالبنى الهجينة والمركبة للاقتصاد في مراحل إعادة الإعمار للاقتصادات الممزّقة بتبعات الحروب توفر خصائص جديدة لدور الاقتصاد وأدواته ومناهجه في تحديد نوع الصراعات والحروب، ومدتها وبنيتها.

 

رابعاً، اقتصاد العقوبات والحصار، ويعني، فيما يعنيه، استخدام أطر وأدوات اقتصادية لفرض عقوبات وحصار اقتصادي مدفوع سياسيا، كما شهدنا في العراق، وفي بلدان عديدة أخرى. وعلى الرغم من أن قرار فرض العقوبات الاقتصادية والحصار تتحكّم به بعض القوى المتنفذة في أروقة صنع القرار العالمية، إلاّ أن ما يتناساه الساسة أن العقوبات تنشئ اقتصادها الخاص بها، والذي لا يلتزم بالضرورة بالضوابط التقليدية، وإنما يؤسس لدور مغاير للاقتصاد في صيرورة الصراع، ليشكل ديناميات وأدوات تأقلم ومرونة وتعايش، وإن كانت على حساب تنمية المجتمعات ورفاهيتها.

 

خامساً، اقتصاد هجين ومركّب لنزاعات هجينة، والذي بمقتضاه يفترض أن كل الصراعات مركبة ومهجنة، ويمكن إطلاق تسمية "الحروب الجديدة" عليها، تيمناً بالأدبيات الأكاديمية في هذا الإطار. فعلى الرغم من التشوهات والاختلالات البنيوية في الاقتصاد، وعمليات إنكار التنمية، إلاّ أن الحلقات والتبادلات الاقتصادية تستمر في الحدوث، بتشوهاتها واختلالاتها، وتمتد إلى ما هو أبعد من جغرافيا الحروب، بل وتعمل على تعقيد التفاعل الخارجي - الداخلي بين فاعلي الصراعات والمؤثرين فيها. 

 

يمكنّنا التأطير المفاهيمي هذا في الفئات الخمس من تحليل ظواهر عدة، متعلقة بالصراعات،  

مثل خصخصة الحروب (انظر مثلا إلى دور شركة بلاك ووتر في الشرق الأوسط، والمقترح الجديد لرئيسها لإدارة ترامب فيما يتعلق بأفغانستان)؛ ودور الشركات العابرة للقارات، وتعاظم أرباح بعضها في أوقات الحروب؛ وأبعاد هشاشة الدول، ودور الفاعلين من خارج إطار مؤسسات الدولة، خصوصاً في سياقاتٍ كهذه. من دون أدنى شك، فدوماً ثمّة رابحون من الحروب واندلاعها واستمرارها، وكلما توسّعت رقعة الحروب توسعت أرباح بعضهم على حساب أرواح كثيرين. وبالتالي، ستستميت النخب المستفيدة في الدفاع عن ديمومة الحروب؛ إذ تشكل النخب المنتفعة من الحروب والشركات التي تشتعل أرباحها باشتعال فتيل صراعاتٍ جديدةٍ ظواهر مرافقة لديناميات الحروب. وعليه، ليس الاقتصاد وعجلته بالعلمية الميكانيكية اللا- سياسية فحسب، وإنما يترابط الاقتصاد ترابطاً عضوياً مع السياق الذي يحيط به ويتفاعل معه.

 

وبالتالي، الاقتصاد السياسي للحروب والنزاعات هو الإطار الأهم لفهم دور الاقتصاد وتأطيره في السياقات هذه. ومن دون تأطير الاقتصاد السياسي، ستستمر التدخلات الخارجية في إحداث الضرر تلو الضرر، وتشوّه صورة السلام المستدام ومعناه. النزاعات والحروب بطبعها قبيحة، واقتصاداتها يمكن أن تجعلها أكثر قبحاً، إن استمر الفهم المنقوص والمتجزئ والإشكالي لدورها في ظل سطوة الفهم التقني الميكانيكي اللا-سياسي النيوليبرالي للأدوات والأطر الاقتصادية في مناطق الصراع. يشكل حال الشرق الأوسط اليوم، بسلامه وحربه، اختبارا آخر لفهمنا للاقتصاد السياسي للمنطقة المتّسمة دوماً بالاضطراب.


مقالات متعلّقة