الفساد والكوارث يجتمعان في عبّارة الموصل

تاريخ الإضافة الأربعاء 27 آذار 2019 - 4:16 م    عدد الزيارات 167    التعليقات 0     القسم سياسي

        


كانت لقطةً معبرة مليئة بالموت. نحن في عصرٍ تصبح اللقطة المعبرة فعلا عن الواقع الماثل مليئة بالموت، خالية من الحياة، بمعناها الرومانسي الحالم الذي أغرقتنا فيه الفلسفات والفنون ودواوين الشعر. اللقطة المعبرة المليئة بالموت هي لقطة غرق العبّارة الموصلية، وعلى ظهرها مئتان وسبعة وثمانون بشريا، كانوا يريدون الذهاب إلى "عيد الربيع" في بلادٍ ودعت ربيعها منذ أن وطأتها أقدام الأميركيين الغزاة، لقطة حملتها الفضائيات ومواقع التواصل، لتفضح أكذوبة "يوم السعادة العالمي" الذي أقرّته الأمم المتحدة عيدا سنويا لمن يستطيع أن يكون سعيدا، والعراقيون ليسوا في وارد أن يكونوا كذلك.

 

مئتان وسبعة وثمانون بشريا، أطفال ونساء ورجال من مختلف الأعمار، يتكدّسون في "عبارة" بائسة، لا تستوعب أكثر من خمسين منهم، يبحثون عن فسحة راحةٍ من همومٍ فرضتها عليهم أقدار مجنونة، والرقم المهول ليس مبالغا فيه، فقد وثّقه برلماني من مدينة الموصل نفسها. ودعك من الأرقام الرسمية التي تحاول أن تخفف من وقع الكارثة التي أحاقت بأهل الموصل، وكان أن غرقت "العبّارة" لتضيف رقما جديدا إلى سلسلة الكوارث التي ضربت العراق، منذ قدّر له أن يسقط في قبضة مافيات ومليشيات فظّة، شرسة، وحاقدة على كل ما هو بشري. أنت ترى هذا كله أمامك، ثم تسمع من يقول لك: هوّن عليك، فثمة كوارث قادمة، ما دام الذين يحكمونك باقين كجدار صلب، يأبى أن يتفتت، ومن ينذرك أن أم الكوارث لم تقع بعد!

 

وأيضا ثمّة من يقول لك إنها حادثة طبيعية صنعها القدر، ويمكن أن تقع في أيما بلاد، وأن علينا أن نروض أنفسنا على الألفة مع ما يمكن أن يحدث قضاءً وقدرا. ويطرق سمعك خبر اعتقال حفنة عمال بسطاء، يقال لك إنهم كانوا وراء الكارثة، وإن لجانا شكلت للتحقيق ستعطي تقريرها عن الواقعة خلال أربع وعشرين ساعة، وتسمع عن نزاعٍ بين هيئة السياحة ودائرة عقارات الدولة، وكل منهما تزعم أن الجزيرة المنكوبة ليست من ممتلكاتها، ولا صلة لها بما حدث، ونزاع آخر بين إدارة الجزيرة ووزارة المياه، الأولى تقول إنه تم فتح أبواب السد، وأطلقت كمية من المياه، سببت ارتفاع منسوب النهر، وحدوث الكارثة، فيما تؤكد الوزارة أن كمية المياه التي أطلقتها كانت قليلة، وليست هي السبب في الواقعة. وتستعيد في ذاكرتك كل الكوارث والمصائب التي أحاقت بالعراقيين، وأهل الموصل بالذات، والتي شكّلت من أجلها لجان، وصدرت تقارير خلاصتها أن ما جرى ويجري هو من فعل مجهول، لم يتم العثور عليه، أو معلوم هرب إلى خارج البلاد، وما يزال من صنع الكوارث وخطط لها يتصدّر مواقع السلطة، ولم يستطع أحد أن يقول له: على عينك حاجب!

 

ويصفعك سؤال استفزازي وقح لمحلل أحمق: "ألم يعرف الذين ركبوا العبّارة بغزارة المطر المتوقعة وبارتفاع مناسيب النهر؟". ويتبعه حكمٌ لخبير يحيا خارج التاريخ، يعزو فيه السبب إلى أن العراقيين لم يتعلموا بعد ثقافة السياحة المائية، ولو تعلموها لأمكنهم تفادي الكارثة، ويسرّك ثالث في أن شخصية مليشياوية جشعة هي وراء زيادة حمولة العبارة.

 

هكذا تتجمع الأسئلة التي تبوح بها الألسن والأقلام. ولكن لا يسمع بها حاملو صولجانات السلطة، ومتصدّرو المشهد السياسي في بلادنا، وخلفهم حارقو البخور الذين يمسكون بخيوط اللعبة الإعلامية وسدنتها. ماذا يفيد أن يعلن الرسميون الحداد أياما ثلاثة، والعراقيون في واقع الحال في حداد دائم على امتداد السنوات العجاف التي أغرقت البلاد والعباد في بحار الدم، وما ينفع الجزيرة الحزينة أن تطلق عليها تسمية "جزيرة الشهداء"، وقد تحولت مدن العراق كلها إلى جرز للشهداء والمغيبين والمهجرين والباحثين عن الحياة؟

 

لا أجد أبرع ولا أذكى لتشخيص الحال مما كتبه الكاتب الباراغواياني، إدواردو غاليانو، عن واقعة قريبة مما يحدث عندنا. وإذا استعرنا حكمه، فإن المسؤول عن واقعة غرق العبارة ليس العمال الذين اعتقلوا، ولا مسؤولو الجزيرة أو مالكو العبّارة، ولا حتى وزير المياه أو محافظ المدينة. المسؤول الأول عن الموت الوحشي الذي أحاق بالضحايا هو "النظام السياسي" بأكمله، والمطلوب "استقالة" هذا النظام المافياوي بقضّه وقضيضه. وعلى المخلصين للعراق ولأهله أن يتحدوا، كي يقيموا دولة العدل والمواطنة والحياة اللائقة بالبشر، وإلا سوف ينتظرنا مزيد من الكوارث والنكبات.


مقالات متعلّقة