متزوّجات في الموصل بلا عقود زواج

تاريخ الإضافة الثلاثاء 5 كانون الأول 2017 - 9:08 ص    عدد الزيارات 92    التعليقات 0     القسم منوع

        


مصطفى سعدون

صحافي عراقي

"لا أعرف نفسي الآن، هل أنا متزوجة أم لا، أشعر بأن مُستقبلي انتهى"، تقول (ن.س) وهي فتاة من الموصل وعمرها 22 سنة تزوجت بعقد صادر من محكمة تنظيم "داعش" الذي سيطر على مدينة الموصل في العاشر من يونيو 2014. (ن.س) هي واحدة من الآلاف من النساء العراقيات اللاتي يعانين من الآثار التي خلفها تنظيم "داعش" في المناطق التي سيطر عليها رغم استعادتها. وقد برزت مؤخراً مُشكلة تتعلق بالنساء اللاتي تزوجن في فترة سيطرته على مدينة الموصل حيث ترفض الحكومة العراقية الاعتراف بعقود الزواج التي أُبرمت في المحاكم الخاصة بتنظيم "داعش" الذي كان يسيطر على مدينة الموصل حتى حزيران 2017.

 

ورغم أن الحكومة العراقية سمحت للمتزوجين بمراجعة المحاكم بعد هزيمة "داعش" للتقديم على عقود زواج مُصدقة من محاكم الدولة الرسمية ولكن الشرط هو أن يكون الزوجين على قيد الحياة، لكنها أبقت على مُشكلة النساء اللاتي فقدن أزواجهن أثناء العمليات العسكرية أو قبلها. وعليه، لن تتمكن النساء اللاتي تزوجن أثناء سيطرة التنظيم على المدينة وفقدن أزواجهن أثناء العمليات العسكرية أو قُتلوا على يد التنظيم من الحصول على عقود زواج مُصدقة من المحاكم العراقية، لأنها لا تعترف بالعقود التي صدرت من محاكم "داعش".

 

تقول الفتاة العشرينية (ن.س) إنها راجعت محاكم استئناف محافظة نينوى (التي تضم الموصل) إلا أن المحكمة رفضت إصدار عقد زواج لها لأن زوجها قُتل أثناء العمليات العسكرية و"لا يوجد ما يثبت زواجها منه." حاولت (ن.س) توكيل مُحامياً لها أمام محاكم الإستئناف لتتمكن من إصدار عقد زواج لها، إلا أنها فشلت في ذلك، ودفعت 350 دولار أميركي تكاليف المُحاماة دون نتيجة.

 

تعيش (ر.م) الأمرّين، فهي لا تستطيع القول بأن زوجها كان عنصراً في تنظيم "داعش" ولا معرفة مصيرها فهي في الواقع متزوجة ولكنها على الورق بكر.

 

العديد من اللواتي تزوجن من عناصر داعش يتم معاملتهن بإعتبارهن متعاطفات مع التنظيم، على الرغم من أن الكثير منهن تم إجبارهن على هذا الزواج، كما أنه لا يتم الاعتراف بأطفالهن فلا يمكن تسجليهم بأي من الدوائر الحكومية مما يمنعهم من الحصول على خدمات التعليم والخدمات الصحية والاجتماعية. في بعض الحالات، قامت الحكومة العراقية بنقل عدد من النساء المتزوجين من عناصر داعش وأطفالهم إلى مخيمات "إعادة التأهيل،" وهو ما وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش بأنه "شكل من أشكال العقاب الجماعي." فضلًا عن كل هذا، تعاني العائلات المرتبطة بداعش من التهديد بالإخلاء من مدنهم وقراهم أو عدم إمكانياتهم بالعودة إلى بيوتهم، فضلاً عن تهديدات بالقتل.

 

(ر.م) والتي تبلغُ من العمر خمسة وعشرين عاماً، والتي تزوجت وهي في الثانية والعشرين من عمرها عندما تقدم لها أحد عناصر تنظيم "داعش" تعلم تماماً ما الذي يعنيه إنجاب أطفال في زمن ما بعد داعش، فقد أنجبت من زوجها بنت وولد قبل أن يُقتل في المعارك التي جرت بمدينة الموصل خلال يناير 2017. تقولُ الفتاة إنها "تعيش أوضاعاً صعبة جداً، فالطفلين اللذين معها سوف لن يتمكنا من التسجيل بالمدرسة وليس لديهم أية أوراق ثبوتية يستطيعان من خلالها الحصول على الخدمات الصحية المُقدمة من مؤسسات الدولة العراقية. (ر.م) مازالت تحمل صفة البكر في هوية الأحوال المدنية الخاصة بها والصادرة من الحكومة العراقية قبل عام 2014، ولا تستطيع الآن إثبات زواجها الذي تم أثناء وجود تنظيم "داعش." تعيش هذه الفتاة الأمرّين، فهي لا تستطيع القول بأن زوجها كان عنصراً في تنظيم "داعش" وقُتل في معارك الساحل الأيمن بمدينة الموصل، ولا حتـى معرفة مصيرها فهي في الواقع متزوجة ولكنها على الورق بكر.

 

وتُقدر إحصائياتٌ تم الحصول عليها من عاملين في مجال حقوق الإنسان بمدينة الموصل، أن هُناك ما لا يقل عن 1600 فتاة تزوجن في المدينة أثناء سيطرة تنظيم "داعش" عليها وفقدن أزواجهن إما بالإعدام على يد التنظيم أو بالعمليات العسكرية أو بعضهم نتيجة الأمراض. وتقول عضو لجنة الطفل والمرأة في مجلس النواب العراقي ريزان الشيخ، أن "الفتيات اللاتي تزوجن من عناصر التنظيم أو من غيرهم وقُتلوا أو فقدوا، ليس لهن أي ذنب بأن يبقين بلا عقود زواج."

 

الشيخ التي تسعى للضغط على الحكومة العراقية وإيجاد قرار يعتمد على الشهود في عملية إصدار الوثائق الرسمية التي تثبت زواجهن من المحاكم العراقية المختصة، ترى أن "هذه المُشكلة إن لم تُحل الآن فإن آثارها السلبية على المُجتمع العراقي ستظهر في المستقبل." وتؤكد الشيخ أنها "وعدد من البرلمانيات المُدافعات عن حقوق المرأة يعملن الآن على إيجاد قرار برلماني أو تحركات للضغط على الحكومة والقضاء العراقيين من أجل إيجاد حل لهذه المشكلة، التي يُمكن لها أن تُحل عن طريق الفحوصات الطبية يُمكن لها أن تثبت متى كان الزواج أو الاعتماد على أدلة أخرى مثل الشهود من عائلتي الزوجين.

 

المُحامي إسماعيل الفتلاوي أكد أن موضوع إثبات الزواج يحتاج إلى حل قضائي سريع، مشيرا الى أن "المحاكم العراقية تعتبر الزواج في محاكم تنظيم داعش، زواجاً خارج المحكمة، وهُنا يُمكن أن تُحل المشكلة عبر الشهود في المحاكم الرسمية، لكن في حال فقدان أحد الزوجين وحضور طرف واحد، سيُصعب الأمر وقد لا يُعترف بالزواج حتى وأن حضر الشهود".

 

ويقترح الفتلاوي حلاً مؤقتاً وهو: "إنشاء محكمة خاصة وبشكل مؤقت وتُحدد سقفاً زمنياً لحل هذه المُشكلة، وأن تكون الأدلة إما عبر الشهود أو الوثائق الأخرى من صور ومستمسكات، أو عن طريق إعتراف أهل الزوج الفقيد بزواج ابنهم". ويُشير المحامي العراقي إلى أن "هذه المشكلة لا تحتاج إلى كثير من التعقيدات التي تنتجها الحلول السياسية المؤقتة، بل هي بحاجة إلى رؤية قضائية واقعية تُفكر بنتائجها السلبية في المستقبل على واقع المجتمع العراقي".

 

كان تنظيم "داعش" يُجبر بعض الفتيات غير المتزوجات على الزواج من عناصره، خاصة الأجانب منهم، وهذا ما دفع بعض العوائل إلى تزويج بناتهم إلى أقاربهم، وإن كان ذلك من دون حُب أو اتفاق أو رغبة بالآخر.

 

المشكلة لا تتعلق فقط بالنساء اللاتي تزوجن من عناصر داعش فقط، فالمشكلة تزداد تعقيداً إذ أن المشكلة تشمل أيضاً العراقيات اللواتي تزوجن من أقاربهن أو من أجانب فقط لكي يتجنبوا أن يتم إجبارهم على الزواج من عناصر داعش خلال سيطرته على المدينة. رؤى يونس وهو اسم مُستعار لفتاة من الموصل تتحدث عن زواج صديقتها بطريقة اضطرارية من أحد أقاربهم الذي لم تره في حياتها سوى مرتين. كان سبب الزواج هو خوف أهلها من إجبار عناصر التنظيم لها بالزواج من أحد مقاتليه. تقول يونس: إن صديقتها التي لا تُريد ذكر اسمها، كان عمرها 19 عاماً في عام 2014، وكانت تتمتع بجمال وأنوثة دفعت أهلها إلى إجبارها على عدم الخروج من المنزل في ظل وجود تنظيم داعش، حتى في اللقاءات العائلية أو الخاصة بنساء المنطقة، لأنهم كانوا يخافون من أن تراها إحدى المنضّمات للتنظيم وتدل أحد القياديين عليها".

 

يونس أيضاً تزوجت بنفس الطريقة من نجل ابن عم والدها وعلى الرغم من أن زواجها كان تقليدي واضطراري، إلا أنهما سُعدا كثيراً في العامين اللذين جمعتهما معاً، لكن أثناء عمليات استعادة الموصل، أُجبر زوجها على حمل السلاح مع عناصر التنظيم لحماية مقراته، ومنذ 13 ديسمبر 2016 لم تعرف عنه أي شي. وتضيف: "قررنا أنا وزوجي قبل الزواج عدم إنجاب الأطفال حتى الخروج من الموصل أو استعادتها". أما (ر.ع) 21 عاماً، فقد كان حلمها أن ترتدي البدلة البيضاء مثل بقية الفتيات، لكن حلمها هذا تبدد عندما فرض تنظيم "داعش" سيطرته على مدينة الموصل. 

كانت خُطبتها على ابن عمها قد بدأت خطواتها في مارس 2014، لكن بعد ثلاثة أشهر سقطت الموصل بيد التنظيم المتشدد. كانت تُحضر لزواجها نهاية العام 2014، لكنه أؤجل إلى منتصف 2016 من دون موسيقى ولا بدلة بيضاء ولا هلاهل (زغاريد). تقول إنها "اضطرت للزواج بهذه الطريقة وعدم الانتظار لما بعد استعادة المدينة، بسبب إجبار التنظيم بعض الفتيات على الزواج من عناصره".

 

لا تعرف (ر.ع) حتى الآن مصير زوجها الذي فقدته أثناء نزوحهما من حي الزنجيلي بمدينة الموصل في مايو 2017. تقول: "تعرضنا لهجمات من مسلحي التنظيم. ركضنا من دون دراية وبهذه اللحظات فقدت زوجي. لا أعرف مصيره، ولم أسمع أي شيء عنه". بحسرة "تحمد" الله على أنها لم تنجب من زوجها أي طفل، وأنها ليست حاملٌ منه الآن، لأنها ستكون وبحسب قولها: أمًّا لطفل يتيم بلا أوراق ثبوتية وأمه غير مُعترف بزواجها". مثل غيرها تحمل (ر.ع) هوية أحوال مدنية كُتِب عليها "باكر" لكن في حقيقة الأمر هي متزوجة منذ أكثر من عام، وقد لا تستطيع الزواج في المستقبل بسبب العادات والتقاليد المفروضة هُناك، حيث يقف عدم تحديد مصيرها مطلقة كانت أم أرملة أم باكر، عائقاً أمامها في الزواج مرة ثانية، فهناك نظرة في المجتمع العراقي قد تكون سلبية تجاه المطلقة، فكيف إذا كانت متزوجة لكنها بلا أوراق رسمية، ولا حفل زفاف أشهرت فيه زواجها، ولا شهود على ذلك.

 

المصدر: مجلة VICE


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.