الإعلام الجديد إذ يحجز حيزاً في قلب منافسه التقليدي

تاريخ الإضافة الأحد 17 أيار 2020 - 10:01 ص    عدد الزيارات 153    التعليقات 0     القسم منوع

        


عثمان أديب

صحفي ومعد برامج تلفزيونية

"علقوا على الموضوع، لأنني سأقرأ التعليقات وسأسجل فيديو آخر" بهذه الطريقة يخاطب أحمد فاخوري مقدم "بي بي سي ترندينغ" متابعيه على يوتيوب نهاية كل مقطع فيديو يُطل عليهم خلاله، ثم غالبًا ما يكون الفيديو اللاحق، تجاوبًا مع أكثر سؤال تكرر في التعليقات أسفل الفيديو السابق.

 

يجيب المذيع عن هذه التساؤلات ويكشف بعض الكواليس التي تحتجب عن جمهوره في التليفزيون، ليناقشها معهم عبر المنصات الاجتماعية، ليشكل بذلك نموذجًا يستحق تسليط الضوء عليه وبالتالي على العلاقة بين الإعلام الجديد والإعلام القديم.

 

فالمضامين المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي فرضت صيغًا جديدةً على قوالب المعالجة التي اعتادتها القنوات الفضائية، فبات رجع الصدى العنصر الأبرز بين عناصر العملية التواصلية، (المصدر، الرسالة، الوسيلة، التلقي، رجع الصدى) وكانت مراكز متخصصة هي التي تعني بقياس رجع الصدى والأثر الذي تحدثه الرسالة.

 

بل إن شكل البرنامج الذي يقدمه فاخوري وتشاركه فيه رانيا العطار، تتكرر عدة نسخ منه على بقية القنوات الفضائية الإخبارية منها والمنوعة، حتى بات ظاهرة لعلاقة جديدة بين الإعلام القديم والجديد، خاصة حين تصنفها القنوات غالبًا باعتبارها نشرات إخبارية وليست ضمن البرامج.

 

ترى دراسة لمركز الجزيرة للبحوث والدراسات أن "للمستخدم أن يكون حاضرًا وبشكل مباشر في البرنامج دون أن يكون حاضرًا جسديًا وهو ما يبرز قيمة الآنية والفورية في عملية البث والتلقي"

 

اقتباس وانتقاء

تستقي تلك النشرات قصصها من تفاعل جمهور وسائل التواصل الاجتماعي على الأحداث، سواء كانت تلك الأحداث من صنع غرف الأخبار التقليدية أم من زخم التفاعل الذي يجري عبر المنصات الاجتماعية، يستقيها محررون ومعدون من بين ثنايا المنصات الشهيرة، تقودهم إليها أكثر الهاشتاغات تداولًا، فيتقصون أصل القصة ويسترسلون في ردود الفعل التي تأتي على شكل تعليقات وتغريدات، وقد يحظون بأبطال تلك القصص داخل إستديوهات القنوات الفضائية.

 

مظهر يشير إلى مُنعطف في قواعد التواصل الجماهيري، حين تنافس فيه منصات التواصل الاجتماعي غرف الأخبار في صناعة المحتويات الإخبارية، بل تجذبها إلى تلك القصص التي كان بدايتها منشورًا أو صورةً أو فيديو، لاقى تفاعلًا، فاستدعى حضورًا بين أجندة الصحفيين القائمين على إعداد هذه النشرات.

 

حيث ترى دراسة لمركز الجزيرة للبحوث والدراسات أن "للمستخدم أن يكون حاضرًا وبشكل مباشر في البرنامج دون أن يكون حاضرًا جسديًا وهو ما يبرز قيمة الآنية والفورية في عملية البث والتلقي، أي أن تكون عملية التواصل متطابقة بين المرسل والرسالة والمتلقي وهو ما يبشِّر بضرورة مراجعة مقولة الاتصال الجماهيري التي يكون فيها المتلقي سلبيًا والباثُّ مُهَيْمِنًا من خلال بثه لرسالة واحدة لجمهور غير متجانس في الميول وزمن المشاهدة والمستوى الثقافي والاجتماعي".

 

الانتشار هو ما قاد القنوات الفضائية إلى المنافسة في وسائل التواصل الاجتماعي، وباتت الاستجابة للقوالب الجديدة التي تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي أمرًا حتميًا، وقد لاقت بالفعل تلك النشرات حظها من المنافسة على الأقل في مضمار المنتجات التليفزيونية، الأمر الذي جعل لتلك القوالب حضورًا ضروريًا بين نشرات الأخبار العادية.

 

محاولات التليفزيون ما زالت قائمة في التأثير على توجهات ومضامين وسائل التواصل الاجتماعي وذلك من خلال ما يملكه التليفزيون والإعلام التقليدي بشكل عام من أدوات وخبرات متراكمة سابقة

 

تكرار تلك البرامج على أكثر من شاشة بات أشبه ما يكون بالاعتراف الصريح بحق المشاهد في أن يخرج من الدور السلبي الذي فرضه عليه التليفزيون لعقود مضت، عندما لم يسمح لجمهور التليفزيون إلا أن يكتفي بالمضامين التي تعرضها عليه القنوات مع تقييد تفاعله، ولم يكن له في أفضل الأحوال إلا أن يقلب بين خيارات محدودة، ورغم تزايد أعداد الفضائيات في العقد الأخير، فإنها ظلت محدودة في نطاق المضمون الذي تختاره الجهات القائمة على تلك الفضائيات.

 

حتى "أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي سُلطة في وجه الإعلام التقليدي الذي كثيرًا ما يتجاهل قضايا حيوية في المجتمع وذلك بحكم رهانات ورائها لوبيات سياسية ومالية وسلطة أيضًا في مواجهة التوظيف السيء للسلطة" بحسب الدراسة آنفة الذكر.

 

لكن محاولات التليفزيون ما زالت قائمة في التأثير على توجهات ومضامين وسائل التواصل الاجتماعي وذلك من خلال ما يملكه التليفزيون والإعلام التقليدي بشكل عام من أدوات وخبرات متراكمة سابقة، أمام حداثة الخبرات في الإعلام الجديد وضخامة التحديات واتساع الخيارات، حيث ما زالت الأولوية على النشر في التليفزيون على حساب وسائل الإعلام التقليدي خاصة عندما يحرص المتفاعلون على القصص التي ينتقيها فريق برنامج تريندينغ على ظهور تغريداتهم على الشاشة.

 

 

جدران المعايير تحجب التفاعل

في المقابل، صرامة المعايير التليفزيونية، تبقى عائقًا أمام الاندماج العالي الحاصل داخل وسائل التواصل الاجتماعي، فما زال الفاخوري وهو الذي حظي بانتشار واسع لتميزه بعفويته في الأداء، يعجز عن تحية جمهوره عبر برامجه بنفس العفوية التي يظهرها عبر حسابه على يوتيوب.

 

يكرر المعلقون على صفحات أحمد فاخوري الشخصية سؤالهم ومطالبتهم بالحصول على الحلقات كاملة على اليوتيوب، حيث لا يتم نشر إلا فرادى من القصص اليومية يتناولها البرنامج، ويكرر فاخوري إجابته المعتادة بأنكم لن تتمكنوا من مشاهدة الحلقة كاملة إلا من خلال متابعة مواعيد بثها على القناة، وكأن التليفزيون يتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي بمبدأ رمي الطعم لاصطياد جمهوره الذي يغادره يومًا بعد آخر إلى الإعلام الجديد.

 

 

نموذج يبرهن على علاقة غير مستقرة بين التليفزيون والإعلام الجديد، لتبدو في أحيانٍ أنها علاقة صراع على جذب الجمهور، إن لم يكن صراعًا وجوديًا، ولتظهر في أحيانٍ أخرى كأنها علاقة تكاملية تساهم فيها وسائل الإعلام الجديد بسد النقص الذي لم يتمكن منه التليفزيون، مقابل خبرات وأدوات ومنهجية تحاول مؤسسات التليفزيون من خلالها ضبط الرسائل المتبادلة بين أطراف الإعلام الجديد.


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.