مراجعة موضوعية في ربيع العرب الثاني . . الثورات العربية

تاريخ الإضافة الثلاثاء 15 تشرين الأول 2019 - 2:13 م    عدد الزيارات 340    التعليقات 0     القسم سياسي

        


مهنا حبيل

باحث عربي في كندا

جاءت هذه الروح الجديدة لمشاعر التغيير نحو الأمل العربي في أوج الهزيمة النفسية التي يعيشها العرب متعدّدة الأوجه، وأولها حجم التوحش الذي عاد بالمستبد العربي من المحيط إلى الخليج إلى حالات تطرّف، تتراوح في بأسها بين عدة أقطار، ويجمعها الواقع المر لقهر الرأي والكرامة الإنسانية، والثاني حالة التحوّل إلى الفوضى المدمرة، لجغرافيا العرب التي قادتها الثورة المضادة، وتفتيتها بين قوى انقسام إقليمي أو عربي، كحالات سورية واليمن وليبيا، وإن صمد مفهوم الدولة في ليبيا الموروث من ثورة 17 فبراير، فيما انتهى ميدان ثورة سورية بنموذج مروّع من عدد الضحايا، إلى تجار الاقتسام الذين ابتزّوا ثورتها، بين معادٍ رسمي، أو مؤيد منافق، جيّر مآسيها لمصالحه. ولا تزال تونس صامدة، ولكن خفوت الأمل، بسبب اضطراب الواقع السياسي والاقتصادي، عزّز مشاعر الإحباط التي يُخشى أن تُمهد لانفضاض شعبي عن قيم الثورة والدفاع عنها، وإن كانت ظاهرة قيس سعيد تبعث بأمل مختلف، وقد فاز بمقعد الرئاسة، ونجحت الترويكا المتصارعة في الحياة السياسية في تونس، في إشاعة أجواء استقرار ونهضة تنموية، تغادر مربعات الصراع والاستقطاب الحاد الذي يحرّكه مال خليجي إلى مفهوم ورشة العمل التنموي الكبرى التي تشارك الحكومة المنتخبة مهمة البناء، وتحتفظ برأيها النقدي لانتمائها أو خلل تجربتها.

 

وجاءت مصر في صورة مفاجئة، وسيكون من الخطأ بمكان أن تُعتبر ظاهرة المقاول المنشق، محمد علي، قد نجحت في تحولها إلى خريطة طريق لإسقاط النظام المتوحش للسيسي، فلا ظاهرة محمد علي خريطة بنيان ثوري تسقط منظومة الحكم، وليست أيضا مطر صيفٍ عابر، فرسائل يقظة شريحة من الشعب وتضامنها مثّلت حالةً من غليان القِدر الشعبي الذي ظن الناس  أن وجدانه قد قُتل في ضمير مصر.

 

كيف تتحول هذه الصور من الكفاح والنضال إلى بنية أو عتبة انطلاق، تعيد سكة قطار الأمل إلى حلم النهضة العربي، واستقرار شعبه سياسياً وتنموياً وثقافياً. ولعل تجربة السودان تشير إلى نجاح مختلف، في ظل بقاء رفيقة التجربة الأخيرة، الجزائر، في مرحلة البرزخ الذي لا نعرف الى أين ينتهي، وهل كان التأخر في دفع البلد إلى انعطافة استقرارٍ تحصد به الجزائر محطةً مهمة لانتزاع الدولة من هيمنة العسكر التاريخية، بقواعد لعبة جديدة نسبياً، أم أن هذا الأمر لم يكن متاحاً أصلاً للحراك الجزائري. وهنا يحتاج الأمر إلى تأملٍ دقيق، في الموقف من الانتخابات المقبلة التي تبنّاها الجيش، وقائد الأركان فيه أحمد قايد صالح، وما هي فرص الاختراق المتبقية أمام مخاطر دفع الجزائر إلى وضع فوضى جديد، تعود بعده اللعبة الدولية مع الاستبداد الأمني بنسخة جديدة من عبد العزيز بوتفليقة.

 

تشير كل الصور إلى مسائل مهمة، يحتاج فهمها المثقف العربي، مناضلا كان أم نصيراً للحلم العربي:

أولا، أول ما يسجل هنا روح الفداء التي يتحلى بها الشعب العربي وحيويته، في ظل تعميم قاتل لمعنوياته وتقديمه شعبا عاجزا، ينتمي إلى عروبة حقيرة، وفاشلا في تبنّيه فكرة الرسالة الإسلامية وحملها الحضاري إلى العالم، وأن تاريخ العرب المسلمين هو حقيبة تخلف فكري، يُقدم في ألبوم جمع كل الحوادث التاريخية التي عاشها العرب بناء على الاستبداد أو التوريث، وليس من خلال فرز رسالتهم الحضارية والتنويرية، وقيمهم الأخلاقية التي حملوها إلى الإنسانية، وروح كفاحهم القديم والجديد، أمام مشاريع الاستعمار.

 

ثانيا، صحيح كلياً أن يقال إن العرب فتكت بهم أفكار عاطفية فوضوية وعجز متبادل، لكن ذلك لا يعني أن تاريخهم لم يحمل رسالة حضارية، أو أن الإنسان العربي فاشلٌ بطبعه، ويجب أن يلحق بالعثمانية الجديدة أو فارس الطائفية، أو أن تُعاد هيكلة الشعب العربي ككانتونات تستدعي التجربة المدنية الغربية للتطبيق، بكل شروطها.

 

ثالثا، وهي نظرية قديمة للاستشراق، استُنسخت في أكثر من خطاب اجتماعي أو فلسفي، بأن العجز العربي ذاتي، وأن الرسالة الإسلامية هي نص تاريخي متخلف، انتهى زمانه، لا معنى مطلقاً من فهم استقلاله الفلسفي، وقدرته للمشاركة في بناء مستقبل ناجح، ونهضة مدنية للأمة العربية وبعدها الرسالي، فلا جديد في ذلك مطلقاً، فهي معادلةٌ تُبنيَت على نطاق واسع في عالم الاستشراق، واستُنسخت من مثقفين عرب.

 

رابعا، والغريب هنا، فشل هذه المعادلة، حين تطرح على مستقبل التطبيق، فلا إشكال أبداً في تفنيد السلبية والتواكل العربي، ولا حالة الهيجان العاطفي التي تُغيّب العقليْن، السياسي  والتنويري، إنما المشكلة أن هذا الفريق (أو هذه الثقافة)، يسعى إلى تقديم العرب جغرافيا جماعات بشرية متعددة، لكي تقتدي بما يقوله الغرب عنها، وتطبّقه على ذاتها.

 

وهذا الغرب نفسه لا يقبل بها في ناديه، ولم يعطِها أي استحقاقٍ ندّي ولو كان نسبيا، وكل ما في الأمر أن تُحصر العلاقة على التقديس الطوعي للتاريخ الاجتماعي للغرب، ورحلته السياسية. وعليه، على الشرق أن يكون حديقة خلفية لمصالح للغرب المستنير، لا شريك نهضة ولا قيم إنسانية.

 

خامسا، هنا جاءت رياح عربية جديدة، فهي اليوم تنفض كِلا المسارين، روح الهزيمة والتبعية المطلقة للغرب، والثاني نقض بنية الدين المصنوع والمستبد الذي صَنعَ من كوارث التراث مذهباً سياسيا وثقافة اجتماعية، تُلغي إنسانية الشعب لصالح الحاكم بفتوى دينية، أو ثقافة لائكية قُهر بها العرب.

 

سادسا، والمسيرة الفكرية لا بد من أن تأخذ حظها من الوقت، في مقابل انتزاع كل مساحة حرية ونهضة مدنية، واستقرار اجتماعي، بما فيه فض الحرب، حتى مع المستبد المتوحش، كالحالة السورية، وعدم إلزام الربيع العربي الجديد بمسطرة تحولاتٍ سياسية كبرى، تبدأ بالخروج إلى الشارع، ثم تعزيز المظاهرات، ثم دعوة الجيش إلى إسقاط نفسه، بتغيير طربوشه لا أكثر.

 

إدراك هذا الاختلاف بداية الطريق إلى مستقبل مختلف للأمل العربي المخنوق، ولا حرج مطلقاً أن يكون بطيئاً، لكنه أكيد.


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.