حرب الحرائق في العراق

تاريخ الإضافة الجمعة 28 حزيران 2019 - 7:00 م    عدد الزيارات 149    التعليقات 0     القسم سياسي

        


عامر السامرائي

كاتب عراقي

بين فترة وأخرى يصحو العراقيون على مصيبة جديدة، وجديد هذه المصائب الحرائق التي تشهدها الحقول الزراعية في محافظات شمال العراق منذ أكثر من شهر بالتزامن مع موسم الحصاد، بعد أن انتعشت الزراعة في عموم البلاد اثر موسم أمطار غزيرة، لكن وقوع "٢٧٢" حريقا كان كفيلا بتحويل محاصيل الحنطة والشعير في أكثر من سبعة وثلاثين ألف دونم إلى رماد، موقعة خسائر فادحة تقدر بمئات الملايين من الدولارات يتحملها في المقام الأول الفلاح البسيط بشكل خاص واقتصاد البلاد بشكل عام، الأمر الذي يثير تساؤلات حول الجهة التي تقف وراء تلك الحرائق والمستفيدة منها.

 

وتأتي هذه الحرائق التي يمكن وصفها بالحرب التي تستهدف الاقتصاد العراقي ضمن سلسلة حوادث مماثلة، حيث سبق ذلك كارثة نفوق الأسماك وتلف محاصيل الطماطم، وجميعها منتجات كان العراق على وشك إعلان اكتفاءه الذاتي منها.

 

وإذا ما أردنا أن نبحث عن المستفيد من ذلك والجهة التي تقف وراءها، نجد أنها تصب في مصلحة إيران لتكون السوق العراقية محل تصريف لبضائعها في مواجهة العقوبات الأميركية، وهو ما أكده النائب السابق "مشعان الجبوري" على وجه الخصوص بالنسبة لحرق المحاصيل الزراعية قائلا: "إن معظم هذه الحرائق تحصل بفعل فاعل لصالح الأرجنتين" في إشارة إلى إيران، مضيفا "فضلا عن دوافع طائفية بهدف منع الإستفادة من مبالغ المحاصيل الزراعية للمحافظات المدمرة في إعادة أعمارها.

 

وما يعزز هذه الحقائق، امتلاكها أذرعا طويلة داخل البلاد ذات سطوة كبيرة متمثلة بمليشيات تعلن جهارا نهارا ولاءها لإيران تمكنها من إشعال الحرائق من دون أن يجروء أحد على محاسبتها، علما أن محافظتي صلاح الدين ونينوى المسيطر عليهما أمنيا ميليشيات الحشد الشعبي، سجلتا أعلى نسبة حرائق في المحاصيل الزراعية .

 

إن ظاهرة الحرائق باتت تؤرق العراقيين، ويمكن تقسيمها إلى قسمين أحدهما قبل احتلال العراق والأخر بعده، فقد ظهرت أول مرة بُعيد انتهاء العدوان الثلاثيني على العراق عام 1991، حينما دخلت مجموعات مرتبطة بأحزاب السلطة الحالية قادمة من إيران، وقامت بحرق عدد من مؤسسات الدولة ومن بينها وزارات معينة التي كانت تعنى ببرنامج النفط مقابل الغذاء والدواء بهدف منع دخولهما إلى العراق وحرمان العراقيين منها، ومحاولة إرباك الدولة العراقية، وكذلك حرق دوائر النفوس والتسجيل العقاري، وشمل ذلك نحو 14 محافظة، فيما يعرف بصفحة "الغدر والخيانة"، وكانت تهدف هذه الممارسات في حينها إلى محاولة التغيير الديموغرافي خاصة في المحافظات المجاورة لإيران بحرق دوائر النفوس، كذلك التلاعب في عائدية العقارات وتحويل ملكيتها إلى آخرين بحرق دوائر التسجيل العقاري، لكن هذه المحاولات فشلت بفشل المشروع الإيراني آنذاك وعودة تلك المحافظات الى حضن الوطن.

 

أما بعد احتلال العراق عام 2003، فلا يكاد يمر عام إلا وتلتهم الحرائق عددا من المؤسسات، مستهدفة ملفت حساسة، عام ٢٠٠٧ بدأ مسلسل الحرائق من مبنى الوثائق والملفات في وزارة النفط لتنتقل إلى معظم الوزارات ودوائرها.

وأعقب ذلك، حرق البنك المركزي العراقي وخاصة قسم المفتش العام عام 2008، بهدف إخفاء وإتلاف أكبر قدر ممكن من الوثائق الرسمية التي تدل على تورط جهات داخلية وربما خارجية بجرائم فساد مالي وإداري، كما عبر عن ذلك في حينه رئيس لجنة النزاهة السابق في البرلمان صباح الساعدي.

 

وفي العام ذاته تم حرق القسم الذي يحوي ملفات العقود الخاصة بالبطاقة التموينية التابع لوزارة التجارة، التي تؤمن المواد الغذائية للمواطن العراقي بشكل شهري رغم عدم صرفها، فضلا عن الحريق الذي نشب عام 2014 في مكتب المفتش العام لوزارة الداخلية، والذي يحوي أهم ملفات الوزارة، فضلا عن حرق غرف العقود في وزارة الصناعة عام 2015، بالإضافة إلى حرق عدد من المجمعات التجارية الكبيرة في سوقي الشورجة والعربي. حتى أن الحرائق لم تستثنِ صناديق الاقتراع حيث ضاعت بموجبها أصوات الاف النازحين وذلك في عام ٢٠١٨.

 

لجان التحقيق تنسب معظم الحرائق للتماس الكهربائي، لكن مختصين يرجحون أن أغلب الحرائق مفتعلة كونها تتزامن مع فتح ملفات الفساد، وهذا ما أكده مصدر في النزاهة بوقوف متنفذين خلف الحرائق التي أخفت صفقات مشبوهة ومشاريع وهمية، وبالتالي حققت هذه الحرائق مكاسب للبعض عبر طمسها لحقائق كثيرة.

 

يتضح مما تقدم، أن عملية الحراق في العراق هي جريمة منظمة وسط غياب حكومي عن الكشف عنها ومحاسبة الفاعلين، الأمر الذي يضعها في خانة الشراكة في هذه الظاهرة التي باتت تشكل خطرا على مستقبل البلاد، وبالتالي يجب العمل على إحالة هذا الملف إلى الأمم المتحدة ووضع العراق تحت الحماية الدولية كونه عضوا في هذه المنظمة وبالتي يتوجب عليها توفير كل مستلزمات حمايته.


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.