مرحلة البناء والإعمار لما بعد داعش

تاريخ الإضافة السبت 10 آذار 2018 - 9:17 ص    عدد الزيارات 253    التعليقات 0     القسم سياسي

        


في كل دقيقة يضطر 20 شخصاً جديداً على نطاق العالم الى النزوح، اي نحو 28300 شخص في كل يوم، كذلك تستمر فترة النزوح بالتمدد دراماتيكياً هي الاخرى. لذا سيكون من المحال التصدي لهذه الفضيحة الانسانية ما لم يوجه الاهتمام المكثف الى الظروف التي تمكن من خلق فرص للعمل.


لقد اخفقنا في مهمة بناء امة في العراق، لذا دعونا نحصر تركيزنا في مساحات صغيرة محددة بدلاً من تخيل اننا خير من يعرف كيف تبنى اقتصادات الامم بشكل شامل. فإذا ما اثمرت تلك الجهود بات بوسعنا تطويرها وتوجيهها بالنحو الذي يشمل البلد بأكمله. هذا النهج اثبت نجاحه في عدد من الدول وانتشل مئات الملايين من البشر من هاوية الفاقة والعوز.


توجد في العالم اكثر من 4000 منطقة تسمى "المناطق الاقتصادية الخاصة"، وهي مناطق تتمتع بسلطات قانونية خاصة وضرائب منخفضة وضوابط مخففة ويتركز الاهتمام فيها على الاستثمار في البنى التحتية اساساً. هذه المناطق تغنينا بمجموعة من الشواهد والادلة التي يمكننا الاسترشاد بها في عملية بناء المناطق التي عانت اعباء الدمار والابادة. اعادة الامن شرط اساسي ذو اولوية لقيام اي نشاط اقتصادي، لذا نرتئي اقامة "مناطق اقتصادية خاصة" مؤمنة في شمال العراق. هذه المناطق الخاصة سوف تصبح جاذباً للاستثمارات والاموال الاجنبية المباشرة وبذا تخلق الوظائف. 


خير مثال على ما نقول منطقة "شنجن" الصينية، وهي من اقدم واوسع المناطق الاقتصادية الخاصة الحديثة، حيث تمكنت من الارتقاء بمتوسط دخل الفرد الحقيقي فيها الى اكثر من اربعين ضعفاً خلال الفترة 1980 الى 2008.


غير بعيد عن  "شنجن" يشخص النجاح الاقتصادي العملاق الذي حققته "هونغ كونغ"، التي تعتبر واقعاً منطقة اقتصادية خاصة. تطورت هذه المنطقة تحت رعاية الامبراطورية البريطانية وحمايتها وهي تدين بالكثير من تكاملها ووفرة وظائفها للنازحين. على غرار ذلك استعانت دبي بالقانون البريطاني والقضاة البريطانيين في ادارة منطقتها الاقتصادية مالياً، وقد نجحت بالفعل في اجتذاب استثمارات هائلة واوجدت الالاف من فرص العمل. مناطق من هذا النوع يمكن ان تزدهر ايضاً بسبب اجتذابها للمهاجرين.


كذلك الامر في الاردن. فمنطقة التنمية، التي انشأها الملك الحسين بن طلال، لم يكن مشغولاً منها الى وقت قريب سوى 10 بالمئة. بلغت كلفة انشاء هذه المنطقة الاقتصادية 140 مليون دولار وكان الهدف منها هو اجتذاب المشاريع والاستثمارات، بيد ان الاردنيين بقوا عازفين عن العمل فيها بسبب الحرب السورية التي تستعر على مرمى حجر منها عبر الحدود. في الوقت نفسه كان هناك نحو 83 ألف لاجئ يجلسون منذ اربع سنوات بلا عمل في مخيم لا يبعد اكثر من 15 دقيقة عن المكان، لذا رأى الباحثان الزائران التطبيقيان "الكساندر بيتس" و"بول كولير" فرصة سانحة هنا وراحا يحثان على سياسة دفع هؤلاء النازحين الى العمل فيها كي ينفعوا انفسهم والمجتمع الذي فتح لهم ابوابه. واليوم صار بوسع ألوف العائلات من اللاجئين في الاردن ان تستعيد شعورها بالكرامة لأنها تكسب رزقها بكدها، بالاضافة الى ما تقدمه لاقتصاد البلد الاوسع.


مشكلة العمالة في العراق تتطلب اولاً حل مشكلة الامن، والخلل الستراتيجي الذي يشكو منه الجهاز الامني العراقي هو حاجته لأن يتقبله الاهالي المحليون. لذا يمكن السماح لمسيحيي القوش مثلاً، او أيزيديي سنجار، بان يلتحقوا بقوات الامن، لانهم حالياً لا يسمح لهم ان يقوموا بواجبات الشرطة حتى في قراهم. علاوة على هذا فإن رؤساء المجالس البلدية ينتخبون في بغداد على بعد مئات الكيلومترات.


ما من حل سريع لمعالجة المشكلة الامنية في العراق على نطاق البلد بكامله، ولكن بالامكان خلق اوضاع امنية مناسبة في مناطق محددة من خلال اكتساب المقبولية محلياً. كذلك ينبغي توحيد الوحدات الامنية المختلفة كلها تحت زي امني عراقي واحد واخضاعها لسلسلة قيادة واحدة. والتحالف الدولي الذي ساهم في دحر "داعش" لديه منذ الان خبراء مستعدون لتدريب قوات الشرطة المحلية والقضاة المحليين لتأمين حقوق الملكية التي يقتضيها نهوض النشاط الاقتصادي. 


العراق لم يوفق بعد في اجتذاب الاستثمارات الاجنبية المباشرة ولا في دعم مستثمريه المحليين بسبب افتقاره الى المستوى الامني المطلوب وبيئته الكارثية في ميدان الاعمال. احدث تقرير للبنك الدولي يعطي العراق صفراً في مساعي تفادي الافلاس وصفراً في القدرة على فتح منافذ ائتمانية، كما يضعه في المرتبة 154 بين 190 بلداً من حيث اقامة المشاريع الجديدة.


تغيير احوال هذا البلد بين عشية وضحاها بانتقالة شاملة فكرة لا واقعية، ولكن اقامة مناطق اقتصادية خاصّة مومّنة، مناطق صغيرة ومحددة تتمتع بالمقبولية المحلية، من شأنها ان تساعد الاقليات الضعيفة على التعافي مما اصابها على يد "داعش". هذا هو الأمل الأفضل للعراق ولألوف العوائل من نازحيه


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.