معادلة العراق بين الثابت والمتغير

[post-views]

معادلة العراق بين الثابت والمتغير
د. أيمن خالد
إعلامي وكاتب

كثيرا ما تستوقفني القاعدة الأصولية (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان). تلك القاعدة التي يستنتج منها الدارسون في الأصول والفروع أنه إذا استندت الأحكام إلى المصالِح، فإنها تختلف باختلاف المصلحة من حيث النِسَب والإضافات، فإذا أفضت وسائلها إلى جلب مصلحة، فإن تحصيلها مطلوب بطريق فتح الذريعة إلى المطلوب، وإن أفضت إلى ممنوع، فإن دفعه مطلوب بطريق سدِّ الذريعة عن الممنوع.

يبدو كل شيء محكوما بالمصلحة، والأحكام عادة تدور مع الغايات والمصالح وجودا وعدما مع الاحتفاظ بمقصود الشريعة طبعا.

تغير الأزمان أيضا تحكمها أعراف ومصالح، ومن باب أولى النظر إلى مصالح العراق وفق متغيرات أنتجتها نواميس الحياة التي تأبى الاستقرار على حال وهذا هو الأصل.

ليس العراق وحده من دارت عليه دوائر التغيير، لكن قّدر له أن يكون مرتكز الأحداث التي تدور حوله، وهذه أخلاق الجغرافيا والتاريخ التي لا تخطئ موقع العراق، والمرتكز دائما هو من يتحمل ثقل الأحمال.

ما كان يتصوره البعض في العراق ثابتا، بدأ يتضاءل يوما بعد يوم أمام سيل المتغيرات الجارف الذي طال بناء العراق اجتماعيا وعمرانيا وديمغرافيا منذ احتلاله أمريكيا عام 2003.

معادلة العراق تعددت مجاهيلها بالنظر إلى تشابك المصالح والأطماع والرؤى بين إشكالية الداخل الذي أثقله الفرز الطائفي والقومي الذي وجد صداه في لعبة الصراعات الإقليمية والدولية.

الولايات المتحدة الأمريكية التي هدمت أسوار العراق، كانت تجيد لعبة تسويق الوهم في شكل وطبيعة تحالفاتها. ففي الوقت الذي كان الفعل التدميري الإيراني في العراق متمثلا بسياسة تمزيق النسيج الاجتماعي وتحطيم الاقتصاد عبر التدخل العسكري والميليشياوي، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تغض النظر طوال سنين الاحتلال عن هول الجرائم الإيرانية وأذرعها في العراق لإطالة أمد استنزاف العراق.

الأمر مختلف اليوم والموضوع لا يتعلق بالعراق الذي لا بواكي له. والقراءة تبدو أكثر وضوحا وحسما بعد قمم الرياض الثلاثة مع الطرف الأمريكي، والذي أقل ما يمكن تحصيله من هذه القمم، هو وضع إيران في قفص الاتهام مع كثير من الأدلة التي تجمعت عليها عبر سجلها الدموي في العراق وسوريا ولبنان واليمن. مع التهديدات الإيرانية الصريحة والواضحة بتهديد أمن الخليج العربي.

الأمر ظاهره لا يبتعد كثيرا عن مضمون ما هو متوقع في المرحلة القادمة. ليس لأن أمريكا عنوان عدل وقيم، فسجلها يطغى على كل اللاعبين سوءا بملف العراق، ولكن يبدو أن أمريكا غالت كثيرا بالخطأ في تحالفاتها منذ احتلال العراق عام 2003، متجاهلة فلسفة الجغرافيا والتاريخ وذلك باتباع سياسة إحكام القيود والموانع، على نقيض واقع الحال الذي تحكمة قاعدة إذا زال المانع عاد الممنوع وهذا الأمر الذي كان يعول عليه العقلاء بالنظر إلى استحالة الوصول في اللعبة الأمريكية الإيرانية إلى نهايتها. إذ الاستنزاف أيضا طال هيبة الولايات المتحدة الأمريكية وإن حاولت التغطية عليه.

قمم الرياض من المفترض ألا يترك شأن متابعة المتحصل منها سياسيا على المستوى العراقي، حتى وإن بدا شأن العراق فيها لا يتناسب مع حجم ما تعرض له، إلا أنه من الممكن استغلال الصفقة بالدخول بقوة مع الصف العربي والخليجي والإسلامي عبر سياسة جريئة من الأطراف السياسية العراقية بتشكيل تحالفات جديدة من قوى رافضة لهيمنة الأحزاب ذات الهوى والمرجعية الإيرنية أو المنشقة عن تأييد إيران، بعد أن تكشفت تماما السياسة الدموية الإيرانية في العراق.

هذا المنعطف والمتحول على المستوى الإقليمي والدولي حتما سيضع الجميع في العراق أمام اختبار النوايا، فإما استغلال الفرصة الثمينة وإيران في قفص الإتهام العالمي داعمة للإرهاب، أو العودة إلى مربع الخنوع والذل الذي كانت أهم نتائجه إلباس كيس الإعدام الأسود في رؤوس أهل السنة بحجة الحرب على الإرهاب الذي أقر العالم اليوم بأن إيران الداعم الأكبر له عن طريق سياسة خلق التنظيم وشبيه التنظيم (داعش والميليشيات والحشود)، ليلحق الموت أيضا بالكثير من العراقيين الشيعة الذين وقعوا ضحية الأحزاب والميليشيات التي غرهم الانتماء إليها، ليستفيقوا بعد مسيل الدماء بأنهم كانوا الوسيلة التي استخدمتها إيران لتمزيق النسيج الاجتماعي العراقي.

مستحقات المقبل من الأيام لا يخلو طبعا من أزمات حادة ومضافة تحاول إيران بعثرة الأوراق فيها، ولا يخفف منها أو يحد منها سياسيا، سوى اختيار الأفضل من التحالفات الداخلية الوطنية المتصالحة مع كتلة المحيط الإقليمي العربي والإسلامي، وهذا بدوره يمثل أداة الضغط القوية على إجبار المحاور العالمية العظمى على الرضوخ لهذه الكتلة القادمة، بعيدا عن النقد المقبول أحيانا من جهة كون الاتفاقات العربية والإسلامية مع الطرف الأمريكي واقعة في دائرة المعاهدات غير المتكافئة التي تعقد أوقات الأزمات والحروب. يسوغ لنا هذا الرأي فكرة العودة إلى البدء مسترشدين بقاعدة.. (لاينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان). والسياسة أخذ وعطاء.

 

المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي شبكة INPPlus