مستقبل شيعة العراق بعد “داعش”

[post-views]

مستقبل شيعة العراق بعد “داعش”

إن المتأمل في المشهد العسكري العراقي يدرك بشكل جليّ أن استعادة الموصل من قِبَل القوات العراقية ما هي إلا مسألة وقت، وعندها سيكون التنظيم المتطرّف قد خسر أهم معاقله في العراق، وستبدأ مرحلة ما بعد “داعش”، حيث يُنبئ الواقع السياسي الحالي أنها مطبوعة بانقسام كبير في البيت الشيعي العراقي، انقسام تبدو فيه البصمات الإيرانية واضحة وضوح الشمس في قارعة النهار.

ويبدو أن أبرز عوامل الانقسام وأقواها هو الموقف من ميليشيات “الحشد الشعبي”، هذه الميليشيات أُسّست عقب فتوى من المرجع السيستاني تقضي بوجوب مقاتلة “داعش”، وهو الذي كان قد أفتى بـ”حرمة” قتال القوات الأمريكية إبّان الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، هذه الميليشيات المتّهمة بجرائم حرب وانتهاكات خطيرة بحق العراقيّين على أسس طائفيّة. فمن قائل بضرورة بقاء هذه الميليشيات باعتبارها صمام أمان ضد أي نسخة مطوّرة من “داعش”، وبين رافض لهذا المنطق وداع إلى حلّها، باعتبار أن مسوّغ قيامها قد اندثر فلا بدّ من حلّ كلّ الميليشيات وحصر الأمن في يد القوات الحكوميّة الرسميّة.

وقد بدأت تتعالى أصوات بعض الزعماء الشيعة الذين يعارضون بقاء هذه الميليشيات الطائفيّة عقب اندحار داعش، وربما يُعتبر تصريح رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي من أخطر ما قيل في هذا السياق، حيث اعتبر هذه الميليشيات وجها آخر لداعش، وممارساتها امتدادا لممارسات التنظيم المتطرّف، كما أن الزعيم الشيعي مقتدى الصدر ما فتئ يدعو إلى حلّ هذه الميليشيات بعد حقبة داعش.

وإذا دققنا النظر في المشهد السياسي، ربما استطعنا فهم الخلاف بشكل أوضح، فالمؤيّدون لبقاء ميليشيات الحشد هم من القادة السياسيّين والعسكريّين الذين يدورون في فلك إيران، وهم يستميتون في دعم بقاء هذه الميليشيات، ولا يخفى على أحد العلاقة القوية التي تربط ميليشيات الحشد بالحرس الثوري الإيراني، وخاصة بشخص الجنرال قاسم سليماني، الذي أشرف مرات عدة، وبشكل مباشر، على التخطيط لمعارك هذه الميليشيات وقيادتها.

أما المعارضون لبقاء ميليشيات الحشد فمشكلتهم هي مع التنامي الكبير للنفوذ الإيراني في العراق، ممّا قد يهدد نفوذهم ونفوذ أحزابهم، لذلك فهم يسعون للحدّ من هذا التنامي عبر تقليم أظافر إيران في العراق، وأهمها ميليشيات الحشد الشعبي.

فحقيقة الصراع هي حول سعي إيران إلى تنمية نفوذها في العراق عبر أدواتها، وأهمها ميليشيات الحشد الشعبي، وبين الحدّ من ذلك النفوذ من قبل من يرون أن التغوّل الإيراني في العراق سيكون على حساب نفوذهم ومصالحهم.

وممّا يُنذر بخطر داهم على العراق جرّاء هذا الانقسام، ما حصل في الأيام والأسابيع الماضية من اشتباكات بين القوى الحكوميّة وبين ميليشيات الحشد، وهي، وإن كانت متفرقة ومحدودة، إلا أنها تشير إلى عمق الصراع بين الطرفين، سيّما أن ميليشيات الحشد باتت ترى نفسها أكبر من القانون، وإليها حصرا يعود الفضل في استعادة الأراضي العراقية من داعش، مما انعكس استعلاء على القوى الحكومية، وليس أدلّ على ذلك من الاشتباك الأخير الذي حصل عند نقطة أمنية عراقية، حيث رفض أفراد من هذه الميليشيات الخضوع لإجراءات أمنية روتينيّة، وبادروا بالاعتداء على القوات العسكرية، مما تسبّب باشتباك بين الطرفين أدى إلى وقوع قتلى من قوات الحكومة.

كما يترافق هذا الانقسام مع تسلّل أمريكي جديد إلى العراق، حيث بدأت الحكومة الأمريكيّة بزيادة عديد قواتها تدريجيّا فيه، تزامنا مع ما يبدو إرادة أمريكية للحدّ من نفوذ إيران في المنطقة، والحيلولة دون بناء خط برّي تعتزم إيران تأمينه، خط يبدأ من طهران وينتهي على شواطئ البحر المتوسط، مرورا بالعراق وسوريا ولبنان، وهو ما يفسّر دخول قوات مشتركة أمريكية-بريطانية-أردنية للمرابطة على الحدود العراقية-السورية ولمنع القوات الموالية لإيران من التحكّم بالحدود، كما يفسّر في المقابل استماتة ميليشيات الحشد في الوصول إلى تلك الحدود والسيطرة عليها.

لكن يبقى السؤال الأهم: هل سترضخ إيران، بعد كل الجهد الذي أضناها طوال هذه السنين، جراء العمل الدؤوب في العراق وسوريا ولبنان، وتسلّم بالأمر الواقع الأمريكي، وتتنازل عن مشروعها، لتعود إلى مربّعها الأول، وتذهب “تضحياتها” سدى؟ يبدو أن ذلك غير وارد، حتى اللحظة، في العقلية الإيرانية، ودليله التحذير الأمريكي الأخير من أن حلفاء إيران في العراق قد يقومون بانقلاب يستبقون به الخطوات الحكومية لحلّ ميليشيات الحشد، ويؤدي بهم إلى السيطرة الكاملة على المشهد السياسي العراقي، وهي خطوة، إن حصلت، ستأتي على البقية الباقية من الدولة والمجتمع العراقيين.

إن الصراع المقبل في العراق، سواء أكان بانقلاب الموالين لإيران في العراق على الحكم، أم بمحاولة حلّ ميليشيات الحشد الشعبي، سيكون، في ظل واقع غياب السنة عن المشهد السياسي والأمني العراقي، محصورا في البيت الشيعي، وسيكون الخاسر الأكبر فيه هم شيعة العراق.

 

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي شبكة INPPlus