دعوات التيار الصدري للإصلاح ستبقى عرجاء دون إجراء تعداد سكاني نزيه

[post-views]

دعوات التيار الصدري للإصلاح ستبقى عرجاء دون إجراء تعداد سكاني نزيه

رائد الحامد

باحث

طيلة أشهر تشهد قبة مجلس النواب العراقي جدلا حادا بين الكتل الشيعية لتغيير المفوضين التسعة في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بناء على رغبات التيار الصدري الذي يروج لبرنامج إصلاح العملية السياسية القائمة من جذورها، لكن تبقى جديته متوقفة على صدق نيته وسلامة دوافعه وحسن إدارته وصولا إلى هدفه.

يجادل التيار الصدري على الدوام أنه يتبنى برنامجا إصلاحيا من شأنه إخراج العملية السياسية برمتها من دائرة المحاصصات السياسية التي تقف وراء ظاهرة الفساد المالي والإداري التي تنخر مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسات الأمنية والسلطة القضائية.

الرهان على المبادرات الداخلية للإصلاح دون مشاركة أو دعم من قوى إقليمية مثل إيران أو دولية مثل الولايات المتحدة، يبدو رهانا يفتقر للرؤية الثاقبة لحقيقة أن قرارات إدارة الدولة العراقية ورسم سياساتها وشكل نظام الحكم والعملية السياسية تمسك بمعظم خيوطة كل من الولايات المتحدة وإيران في إطار تنافس غير محمود للسيطرة على المقدرات ورسم صورة العراق بما يخدم مصالحهما.

لا شك أن التيار الصدري هو صاحب القاعدة الجماهيرية الأكبر في القسم العربي من العراق، في الضواحي الفقيرة من العاصمة ووسط وجنوب العراق؛ لكن هذه القاعدة بحاجة إلى قيادات كفوءة ذات خبرة قادرة على توجيه دفتها وصولا لأهداف التيار الذي لا يزال يفتقر إلى رؤية استراتيجية منطلقة من الواقع قادرة على تشخيصه بدقة ووضع الخطوات الإجرائية لمغادرته إلى واقع أقل معاناة.

أقامت الولايات المتحدة عملية سياسية قالت إنها نموذج ديمقراطي مخصص للعراق تأمل في أن يكون عنوانا شاملا لأنظمة الحكم في البلدان العربية، لكن تجربة السنوات التي خضعت فيها الحكومات العراقية لإشراف أمريكي مباشر من خلال مستشارين في جميع الوزارات يمتلكون صلاحيات تمرير أو وقف قرارات الوزراء أثبتت أن الولايات المتحدة لم تكن أكثر من قوة عابثة أرادت أن يكون العراق ضحية تجربة فشلت في تحقيق أبسط ما نادت به عند غزوها له.

لقد أسست الولايات المتحدة عملية سياسية قامت على “ديمقراطية توافقية” عنوانها الأبرز توافق رؤساء الكتل على القرارات تحت قبة مجلس النواب قبل طرحها على النواب للتصويت عليها؛ كما أن الولايات المتحدة أسست لعملية سياسية تقوم على التمثيل النسبي للمكونات العراقية وفقا لحصص أقرتها الكتل الخمس التي تمثلت في مجلس الحكم الانتقالي الذي حكم العراق مدة عام بتناوب أعضاء المجلس على الرئاسة بشكل دوري لمدة شهر واحد.

أقر مجلس الحكم الانتقالي نسبا تمثيلية جائرة لا تعكس حقيقة تكوين المجتمع العراقي عرقيا أو طائفيا؛ أعطت للشيعة العرب 60% وتوزعت النسبة المتبقية بين الأكراد 17% والعرب السنة 19% وما تبقى كان من حصة الديانات والعرقيات ذات الكثافة المتدنية.

التمثل المعوج وتوزيع النسب بشكل جائر انعكس على توزيع المناصب السياسية والثروات التي خضعت للنسب التي اتفق عليها الكبار في مجلس الحكم الانتقالي فترة إدارة سلطة الائتلاف المدني التي رأسها السفير بول بريمر.

إن أول ما يمكن أن يجعل مساعي التيار الصدري تأخذ ما يكفي من الجدية والمصداقية وجعلها منسجمة مع واقع العراق الضغط باتجاه إجراء تعداد سكاني يحدد الديانة والطائفة والعرق تشرف عليه الأمم المتحدة إلى جانب منظمات دولية تمارس دور الرقابة على أداء الأمم المتحدة التي ثبت انحيازها للكتل الأكبر في العملية السياسية.

يبدو من الجهل بمكان تكرار القول بأن مثل هذا الإجراء سيساهم في انقسام المجتمع العراقي بشكل أوسع.

مرت أربعة عشر عاما على بداية التأسيس للعملية السياسية القائمة اليوم، وهي عملية قامت على محاصصة طائفية وعرقية يتجنب السياسيون تسميتها بالاسم الذي يعكس واقعها بالقول إنها محاصصة سياسية؛ وأيا كانت تسميتها فهي تعكس واقع العملية التي تحدد شكل نظام الحكم القائم، فما الذي يمنع من إجراء تعداد سكاني في ضوئه يتم إعطاء كل ذي حق حقه؟

لا يمنع إجراء التعداد السكاني سوى أن الكتل الشيعية التي هيمنت على مقدرات العراق بإقصاء الآخرين سيشكل تهديدا لسلطاتهم ونفوذهم، ولا يخرج عن هذا التوصيف التيار الصدري نفسه الذي سيتضرر هو الآخر من أي إجراء من شأنه أن يضع نسبا تمثيلية للمكونات العراقية كما هي واقعا لا كما وزعها السفير بول بريمر ورضيت بها الكتل السياسية الخمسة، الحزب الإسلامي السني العراقي والحزبين الكرديين والمجلس الأعلى وحزب الدعوة الشيعيين.

 

المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي شبكة INPPlus